د_عبدالله محمد أطبيقه*
قسم الإعلام جامعة سرت دولة ليبيا
تعتبر عملية التحول الرقمي في وسائل الإعلام الليبية من أهم القضايا المعاصرة التي تواجه المشهد الإعلامي في ليبيا، حيث فرضت التطورات التكنولوجية السريعة وسلوك الجمهور المتغير واقعاً جديداً يتطلب التكيف والانتقال من أنماط الإعلام التقليدي إلى الإعلام الرقمي والتفاعلي..
فيما يلي رؤية شاملة ومفصلة حول واقع، تحديات، ومتطلبات نجاح التحول الرقمي في الإعلام الليبي:
واقع التحول الرقمي في المشهد الإعلامي الليبي
شهد الإعلام الليبي خلال السنوات الأخيرة خطوات ملحوظة نحو التحول الرقمي، إلا أنها اتسمت بالفردية أو الاجتهادات المؤسسية غير المكتملة:
الانتقال نحو شبكات التواصل الاجتماعي: باتت المنصات الرقمية (مثل فيسبوك، يوتيوب، وإنستغرام) الواجهة الأولى والرئيسية للمواطن الليبي لمتابعة الأخبار، مما دفع المحطات الفضائية والصحف الورقية للتواجد القوي على هذه المنصات.
بروز الصحافة الرقمية والبودكاست: ظهرت العديد من المواقع الإخبارية الرقمية والمنصات التفاعلية وشبكات البودكاست الشابة التي تعتمد كلياً على المحتوى المرئي والمسموع عبر شبكة الإنترنت.
تغير نمط استهلاك المحتوى: تراجع الإقبال على الصحف الورقية والتلفزيون التقليدي لصالح المحتوى القصير السريع ، والأخبار العاجلة عبر تطبيقات المراسلة والتواصل.
التحديات والمعوقات التي تواجه التحول الرقمي
على الرغم من الفرص الكبيرة، تواجه المؤسسات الإعلامية في ليبيا عدة عقبات تعرقل تحولها الرقمي الشامل:
ضعف البنية التحتية التكنولوجية
التذبذب في شبكات الإنترنت وسرعاتها، والانقطاعات الكهربائية المتكررة في بعض المناطق..
صعوبة الاستضافة والسيرفرات المحلية عالية الكفاءة والتأمين السيبراني.
الجمود التشريعي والقانوني
غياب تشريعات خاصة بالإعلام الرقمي تحمي حقوق النشر والملكية الفكرية.
غياب أطر قانونية لتنظيم العمل الصحفي الرقمي وحماية الصحفيين الناشرين عبر المنصات الرقمية.
نقص الكفاءات والتدريب
ضعف البرامج التدريبية المخصصة للصحافة الرقمية (مثل صحافة البيانات، التحقق من الأخبار، السرد الرقمي والتفاعلي).
اعتماد أغلب المؤسسات على المهارات التقليدية وعدم إلمام الكثير من الكوادر بالتقنيات الحديثة مثل أدوات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
تحديات التمويل والاستدامة المالية
غياب سوق إعلاني رقمي منظم واقتصادي مستدام للوسائل الإعلامية الرقمية الليبية.
الاعتماد المفرط على التمويل الحكومي أو السياسي مما يؤثر على الاستقلالية والجودة.
انتشار الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية
سهولة النشر على المنصات الرقمية بدون آليات تدقيق محكمة أدت إلى تفشي الأخبار المغلوطة والشائعات والمعلومات المضللة.
متطلبات ومقومات نجاح التحول الرقمي في الإعلام الليبي
لتحقيق تحول رقمي ناضج ومستدام في وسائل الإعلامية الليبية، يجب العمل على المحاور التالية:
تحديث التشريعات والأطر التنظيمية: سن قانون جديد للإعلام يغطي الصحافة الرقمية ووسائل الاعلام الرقمي وحرية الوصول إلى المعلومات، وإنشاء هيئة تنظيمية مستقلة تعنى بتنظيم البيئة الرقمية وحماية حقوق الملكية والبيانات.
التأهيل والتدريب المستمر: إدراج مناهج الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي في الجامعات الليبية والمعاهد الإعلامية، وتنظيم ورش عمل دورية للصحفيين والمحررين حول التحقق من المصادر، صحافة البيانات، وإدارة المنصات الرقمية.
الاستثمار في البنية التحتية والأمن السيبراني: تحسين جودة الاتصالات والإنترنت، وتوفير بيئة تقنية آمنة تحمي المواقع الإعلامية من الاختراقات والهجمات الرقمية.
تبني نماذج عمل اقتصادية حديثة: البحث عن آليات تمويل رقمية جديدة (كالاشتراكات، الإعلانات الموجهة، والإنتاج المشترك) لضمان الاستقلالية المالية للمؤسسات.
الالتزام بميثاق شرف وأخلاقيات النشر الرقمي: وضع معايير مهنية صارمة تدعم مكافحة الأخبار الزائفة والتضليل، وتعزز السلم الاجتماعي والحيادية.
إن التحول الرقمي في وسائل الإعلام الليبية ليس مجرد خيار تقني أو مواكبة للموضة السائدة، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان بقاء المؤسسات الإعلامية وقدرتها على التأثير والتواصل مع الجمهور. يتطلب هذا التحول إرادة حقيقية ورؤية شاملة تتكامل فيها التشريعات الحديثة مع الاستثمار في العنصر البشري والبنية التحتية..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية