منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

ماذا تغيّر في المدارس؟

يتسرّب عشرات الطلبة يوميًا خارج مدارسهم؛ بعضهم يركضون في الأزقة القريبة، بينما يخرج مدير المدرسة ملاحقًا إياهم بعبارات من قبيل (عرفتك انت واياه.. مافيش قراية لين تجيبوا أولياء أموركم.. خلي نخفف منها المدرسة اللي ينقص ينقص).. وبتأخيرٍ يتجاوز نصف ساعة، يمشي البعض الهوينى نحو المدرسة، وكأنه غير معني بالحصتين الأولى والثانية.

يمكن بسهولة ملاحظة الفارق الكبير بين معلم وطالب الأمس، ومعلم وطالب اليوم. وحتى مدرسة الأمس مقارنة باليوم. وهذه المقارنة محاولة لتوصيف ما يحدث: كيف أصبحت البيئة المدرسية أكثر طردًا مما كانت عليه؟ ولماذا يحضر الطالب والمعلم إلى المدرسة وكأنهما يُساقان إلى محكمة؟

يتنازع طالب اليوم عالمٌ مفتوح عبر الانترنت والقنوات الفضائية، ويعيش تحت وطأة الضغوط التي يواجهها والداه لتأمين حياة كريمة للعائلة. يتوه بحثًا عن قدوة حقيقية ومثل أعلى، بعد أن اختلطت المعايير واضطربت البوصلة؛ فلم يعد الطبيب الناجح أو المهندس المتفوق نموذجًا أبرز، بل إن نظرته إلى المدرسة كبيئة طاردة، هي انعكاس لنظرته الأشمل إلى الوطن؛ إذ ما زلنا نصارع ازدواجية المعايير في الهوية والانتماء، نتحمل جزءًا من مسؤولية هذا الواقع، بينما تتداخل عوامل خارجة عن إرادتنا في الجزء الآخر.

أما معلم اليوم، فهو مواطن يتقاسم معنا ذات الظروف؛ يسعى إلى فرصة عمل وراتب مجزٍ، ويقف في الطوابير نفسها للحصول على الكاش والبنزين والغاز. يعاني انقطاع الكهرباء، وازدحام الطرق، وغلاء الأسعار، والتضخم، ويكافح لتأمين مسكن عبر الجمعيات، يسافر للعلاج خارج البلاد، ويعمل في أكثر من وظيفة، أو يقود سيارة أجرة ليوازن بين دخله ومصروفات أسرته. ومع ذلك، يُطلب منه أن يتهيأ يوميًا لشرح المناهج لنحو خمسة فصول لا يقل عدد طلاب الواحد منها عن ثلاثين، في بيئة تفتقر إلى أبسط المرافق؛ فلا مياه صالحة للشرب، ولا دورات مياه لائقة، فيما زميله مرتاح ضمن كادر الاحتياط. وقد تفلت منه الأمور أحيانًا، فيتصرف بعنف مع طالب أو أكثر.

إن الأزمة لم تعد في التعليم وحده، بل في بيئته التي تُنتج نتائجه. فمدرسة بلا بيئة إنسانية جاذبة، ولا معلم مستقر، ولا طالب مؤمن بقيمة ما يتعلمه، وولي أمر متعاون، لن تكون قادرة على بناء جيلٍ واعٍ أو مستقبلٍ متماسك. إن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان الذي يتعلم ويُعلِّم؛ وبدون ذلك، فإننا نُفرّط في مستقبلٍ كامل يتشكّل اليوم بصمت.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

تجفيف جذور المرض

نحلم بالصحة كما لو كانت هبة، لكنها في حقيقتها بناء طويل وصامت، ويُصاغ في العقول …