منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

خطوة ليبية وخطابان رسميان

يثير كل من بيان الخارجية المصرية بشأن تصديق مجلس النواب الليبي على مذكرة التفاهم الخاصة بتحديد مجالات الصلاحية البحرية مع تركيا، وتصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في بروكسل، أسئلة جوهرية عن احترام سيادة ليبيا وسلطة مؤسساتها، وحدود ما يجوز لدولة أخرى تقريره بشأن إجراءاتها التشريعية.

حيث أعلنت القاهرة “رفضها القاطع لقيام مجلس النواب الليبي بالتصديق” على المذكرة. وهناك فارق جوهري بين رفض الاتفاق لأسباب قانونية يتعين على مصر أن تدافع عنه بالحجج والوسائل الدبلوماسية والقانونية، وبين رفض قيام سلطة تشريعية ليبية بإجراء يدخل في اختصاصها.

فالاعتراض على المذكرة لا ينبغي أن يأتي في صيغة تنكر حق المؤسسة التشريعية في ممارسة اختصاصاتها وفق النظام القانوني الليبي، كما أن البيانات الرسمية ينبغي أن تضبط مفرداتها بما يوضح محل الاعتراض دون التباس.

ويثير البيان إشكالًا آخر حين ينسب المذكرة إلى “فايز السراج” وجمهورية تركيا، بدلًا من حكومة الوفاق الوطني والحكومة التركية.

فالمذكرة وقّعها وزيرا خارجية الحكومتين، كلٌّ بصفته ممثلًا للطرف الذي وقّع عنه، واختزال الطرف الليبي في اسم رئيس الحكومة دون صفته، مع إبقاء الطرف الآخر دولةً، يخلّ بالتناظر في تسمية الأطراف، ويمس الدقة في تحديد الصفة القانونية التي أُبرم الاتفاق باسمها. وفي بيان رسمي صادر عن وزارة خارجية، لا تبدو هذه مسألة ألقاب شكلية، بل اختيارًا لغويًا يستحق المساءلة.

ووصف البيان المذكرة بأنها “باطلة بطلانًا مطلقًا ومعدومة الأثر القانوني”، وهذا جزم أقرب إلى منطوق حكم قضائي منه إلى مجرد إعلان موقف سياسي؛ لا سيما أن البيان لم يعرض تفصيلًا للحجج التي يستند إليها.

فمن حق مصر أن تتمسك بأن المذكرة تمس حقوقها البحرية، بشرط أن تستند إلى القانون الدولي للبحار واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982؛ لكن ادعاء المساس بالحقوق يستلزم بيان أسانيده القانونية، لا الاكتفاء بإعلان النتيجة.

كما أشار البيان إلى أن تصديق مجلس النواب الليبي “لا يرتب آثار قانونية بالنسبة لمصر”، غير أن عدم ترتيب التصديق التزامات على دولة ثالثة لا يحسم، في ذاته، صحة الاتفاق أو نفاذه بين الطرفين، كما أن هناك فرق بين ما ترتبه مذكرة تفاهم وما يرتبه تصديق أحد طرفيها عليها، فهل نفهم أن تصديق البرلمان التركي عليها يرتب آثار قانونية بينما الطرف الليبي لا؟

وفي ختام البيان، تتمسك القاهرة برفض أي إجراءات أو تصرفات تتعارض مع “الحدود البحرية المصرية المعلنة”. مع أن إعلان دولة حدودًا بحرية من جانب واحد لا يكفي، بمجرده، لجعلها حقوقًا نهائية ملزمة للدول الأخرى؛ فمدى استحقاق هذه الحقوق وتحديد الحدود عند التداخل يخضعان لقواعد القانون الدولي والاتفاقات ذات الصلة، مع مراعاة حقوق الدول الأخرى.

أما وزير الخارجية التركي، فقد وصف تصويت مجلس النواب بأنه “قبول” لا “تصديق”، منوها أن أنقرة تعتبر المذكرة سارية منذ عام 2019.

وهذا توصيف تركي للمسألة، وبطبيعة الحال فإجراءات أحد طرفي اتفاقية يتحدد وصفها وأثرها من مركزه في الاتفاقية وموادها، وليس من التوصيف الذي يراه الطرف الآخر، والمادة السادسة من المذكرة تربط دخولها حيز التنفيذ باستلام آخر إشعار خطي من قبل أحد الطرفين مفاده إتمام إجراءات اعتمادها عبر القنوات الدبلوماسية، وفق الإجراءات القانونية لكل طرف.

كما نصت المادة الثامنة من الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات عام 2015 على أن عقد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية من اختصاص رئاسة مجلس الوزراء بحكومة الوفاق الوطني على أن تتم المصادقة عليها من مجلس النواب.

ومن ثم، فإن تصديق المجلس ليس تفصيلًا هامشيا يمكن تسميته “قبول”؛ بل انه يطرح سؤالًا قانونيًا أساسيًا عن استيفاء الإجراءات الليبية اللازمة لنفاذ المذكرة.

ولا يكفي إعلان أنقرة اعتبارها نافذة منذ 2019 لإغلاق هذا السؤال، بل يتطلب حسمه التحقق من الإجراءات المتبعة والإخطارات المتبادلة بين الطرفين.

ومن نافلة القول التساؤل عن وزارة الخارجية الليبية، لأن صمتها إزاء خطابات تمس، بصياغاتها، تسمية الدولة الليبية ومؤسساتها واختصاص سلطتيها التشريعية والتنفيذية وحقها السيادي في تطبيق إجراءاتها وفق القانون، يثير الاستغراب.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

الدبيبة: الأصول المالية الليبية بالخارج تبلغ 150 مليار دولار

أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، انفتاح ليبيا على الاستثمارات الجادة واستعدادها لبناء …