منصة الصباح
معتوق أبوراوي معرض سرادق كشف الذات دار الفنون لوحات سفن ضباب
التشكيلي معتوق أبوراوي خلف ضباب اللون أسئلة الذات

التشكيلي د.معتوق أبوراوي.. خلف ضباب اللون تختبئ أسئلة الذات

الصباح /حنان علي كابو
تصوير /شعيب ابوساقة

لا تمنح لوحات الفنان التشكيلي الدكتور معتوق أبوراوي مفاتيحها بسهولة؛ فبين ضباب الرمادي والأزرق الداكن، حيث تتوارى الأشكال في غموض يترك المعنى مفتوحاً على التأويل، وألوان فاقعة تشي باحتدام المشاعر والصراعات الداخلية، تتشكل عوالم بصرية تتقاطع فيها الذات مع محيطها، والذاكرة مع التاريخ، والإنسان مع مخاوفه وأسئلته.

وتزيد السفن والقوارب وسط المياه الهائجة، والمناظر الطبيعية التي تستحضر البركان والجبال الغارقة في الضباب، من اتساع هذه العوالم، حيث تتجاور إيحاءات الرحيل والتيه مع احتمالات النجاة والمواجهة.

هذه المساحة بين الغموض والكشف هي ما يفتحه معرض أبوراوي الشخصي «سرادق: كشف الذات»، الذي افتُتح بدار الفنون في طرابلس، برعاية السفارة الإسبانية والهيئة الليبية للبحث العلمي ودار الفنون.

وفي رؤيتها للمعرض، تضع دار الفنون التجربة في فضاء روحي وفكري، تتخذ فيه اللوحة هيئة مرآة للذاكرة والوجدان، فيما تتجاوز الخامات والألوان النقل الحرفي للواقع نحو التأمل في الهوية والوجود وعلاقة الإنسان بالمكان والتاريخ.

لكن ماذا يكشف الفنان من ذاته، وماذا يستعيد من ذاكرة الأمكنة، وأي معنى تحمله السفن التي تبدو معلقة بين التيه والنجاة؟ أسئلة تقود إلى قلب التجربة، حيث يضع الدكتور معتوق أبوراوي رؤيته بالكلمات، كما يضعها باللون والخط والأثر التشكيلي.

المواجهة التي تسبق الكشف

_إلى أي مدى كان هذا المعرض مواجهة مع ذاتك، لا مجرد كشف لها أمام الآخرين؟

لم يكن هذا المعرض يوماً موجهاً للخارج بمعناه الاستعراضي، بل كان، إلى حد بعيد، حلبة لمواجهة صامتة وقاسية مع الذات.

حين تقف أمام اللوحة لسنوات، وأنت تنقّب في طبقات الذاكرة والزمن، فأنت لا تحاول أن تقدم “عرضاً” للآخرين، بل تحاول أن تنجو بنفسك من أسئلتك الحارقة.

الكشف هنا هو نتاج حتمي لتلك المواجهة؛ فحين ترفع الأستار والسرادق عن دواخلك، ينكشف العالم للآخرين تبعاً لذلك. إنها محاولة مستمرة لتفكيك أوهام الأنا، وإعادة بناء الرؤية من شظايا التجربة الإنسانية. اللوحة لم تكن وسيلة لإرضاء المتلقي، بقدر ما كانت مرآة اضطررتُ أن أنظر فيها طويلاً، لكي أتصالح مع ظلالي وأسئلتي المعلقة بين القارات والزمن.

الأندلس.. مرآة تتجاوز حدود التاريخ

_تبدو بعض أعمالك كأنها تحمل ذاكرة أمكنة لم نعد نعرف إن كانت تسكن التاريخ أم الخيال…؟ استحضارك للأندلس هل بوصفها ماضيا يستحق الحنين، أم بوصفها مرآة نرى فيها أسئلتنا العربية الراهنة؟

الأندلس في أعمالي ليست مجرد جغرافيا طوتها القرون، وليست حنيناً عاطفياً ساكناً لبكاء الأطلال؛ الأندلس بالنسبة لي هي فكرة وجودية، ورمز للتوهج الحضاري والانكسار الإنساني معاً.

إنها تسكن منطقة رمادية غامضة بين التاريخ الموثق والخيال المحلق، تماماً كالعراق أو ليبيا أو أي مكان عربي يعيش مخاضه الراهن.

عندما أستحضرها، فإني أفعل ذلك بوصفها مرآة كاشفة لواقعنا العربي المعاصر بكل تناقضاته، وأسئلته المؤجلة، وتجربته في البحث عن الهوية والمعنى وسط ركام التحولات.

التاريخ هنا ليس ماضياً انقضى، بل هو حاضر مستمر نعيد إنتاجه كل يوم.

السفن.. بين أمواج العالم وعواصف الداخل

تظهر السفن والمياه الهائجة في بعض الأعمال وكأنها معلقة بين النجاة والتيه. هل هي استعارة عن الإنسان الذي يصارع العالم من حوله، أم عن الفنان الذي يحاول النجاة من عوالمه الداخلية عبر الرسم؟

التيه والنجاة هما الثائرتان اللتان تحركان فرشاة الفنان دائماً.

السفن والمياه الهائجة ليست مجرد عناصر بصرية تعبر عن قسوة الطبيعة أو م مأساة الهجرة والتنقل، بل هي استعارة مزدوجة وعميقة.

فهي من جهة تعكس صراع الإنسان المعاصر بكل هشاشته أمام أمواج العالم المتلطمة، وهي من جهة أخرى المجاز الأصدق لرحلة الفنان الداخلية؛ ذلك البحار الذي يغوص في عوالمه السحيقة، يصارع طوفان الهواجس والذكريات، محاولاً بصعوبة بالغة أن يجد طوق نجاة على شكل لون أو خط أو أثر فني يثبت به وجوده، ويعبر به نحو بر الأمان على قماش اللوحة. الرسم هنا ليس ترفاً، بل هو طوق النجاة الأخير.

شاهد أيضاً

الدبيبة: الأصول المالية الليبية بالخارج تبلغ 150 مليار دولار

أكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، انفتاح ليبيا على الاستثمارات الجادة واستعدادها لبناء …