منصة الصباح
جمعة بوكليب

“تْرُومَه يا بوفاندي”

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

العنوانُ أعلاه مثلٌ شعبيٌ قديمٌ كانت أمي رحمها الله تردده كثيرًا، خاصةً حين تكون محاطةً بالدجاج الأسود، وروحها طلعت من مكانها وانتصبت فوق خشمها، وجعلتها عدوانية، على استعداد تام للدخول في حرب مع قبيلة كاملة بكبارها وصغارها.

كنتُ صغيرًا لكن قاموسي اللغوي كان، وقتذاك، أكبر منّي سنًّا، جعلني أستوعب أشياء كثيرة كنت أسمعها مما يقال حولي. ومنها معنى كلمة (ترومه) لكن “بوفاندي” استغلق على فهمي. إذ لم أتمكن على وجه الدقة من تحديد ماهيته. إذ لم أكن أعرف بين من يعيشون حولي وقربي شخصًا بذلك الاسم الغريب عليَّ، الأمر الذي دفعني للتفكير في كونه صفة لشيء لا أعرفه، ولا ينتمي إلى بيئتي.

في السنوات الأخيرة، اكتشفت أن حالة مثل تلك التي كانت تصيب أمي أصبحت تنتابني. واتّضح لي كذلك أن ما نطلق عليه مجازًا اسم الدجاج الأسود، يوجد في كل زمان ومكان، وأنه، لحسن الحظ أو لسوئه، مثل الإصابة بالزكام، لا يفرق بين الناس ويدور بالجميع، ويقلب المزاج، ويجعل المرء عدوانيًا، وعلى أتم الاستعداد لإشعال حرب حتى ضد نفسه.

حين يقرر الدجاج الأسود أن يقترب من دائرتي، ويبدأ يدور بي، وأحسُّ بروحي تخرج من مأمن مكمنها لأي سبب من الأسباب، ثم أراها تستقر فوق خشمي، كما كان الحال تمامًا مع أمي، أتذكر تلك اللحظات “بوفاندي”، وأردد ذلك المثل لنفسي، وكأنني بذلك أصبّرها على مصابها، وأذكّرها بأن ما لا تطيقه من شؤون الدنيا والحياة حالة عابرة، وأنها ستتعوّده و”ترومه”، مثلما قبلت وتعوّدت أشياء أخرى غصبًا عنها، وارتضت طوعًا بلعها من دون مضغ.

الدنيا مدرسة قاسية، تعلمك، من دون شفقة ولا رحمة، أن ما لا تستطيع قبوله وتغييره عليك ببلعه مؤقتًا على الأقل، على أمل أن تتمكن مستقبلاً من فعل شيء حياله، ومن الأفضل والأجدى لك ألا تكون عنيدًا مثل “بوفاندي.”

 

 

شاهد أيضاً

الدكتور عبدالكريم الزياني

السكن حق … وليس مِنّة

د. عبدالكريم الزياني الثروة النفطية ليست ملكا للحكومة ولا لوزير ولا لأي مسؤول. إنها ملك …