قسم الإعلام جامعة سرت
د_عبدالله محمد أطبيقه
تُعدّ الرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، المتنفّس الأكبر والشغف الأول للشارع الليبي؛ وهو ما جعل الإعلام الرياضي في ليبيا يمتلك قاعدة جماهيرية عريضة وقدرة كبيرة على التأثير والتوجيه. غير أن هذا المجال الحيوي، رغم الزخم الذي يحظى به، يواجه تحديات مهنية وتنظيمية وميدانية تعيق تطوره وفق المعايير المهنية والإقليمية الحديثة.
فبدلاً من أن يكون الإعلام الرياضي محركاً للتنمية الرياضية ومنبراً للتثقيف وتعزيز الروح الرياضية، تحوّل في بعض ممارساته إلى ساحة للتجاذبات وشحن الجماهير. ويعود ذلك إلى جملة من المعوقات البنيوية والمهنية التي تؤثر في أداء الصحفي والإعلامي الرياضي أثناء ممارسته اليومية، وتحدّ من قدرته على تقديم محتوى موضوعي ومتوازن يخدم الرياضة والمجتمع.
واقع المشهد: شغف جماهيري في بيئة مضطربة
يتميز الإعلام الرياضي الليبي بوجود طاقات شبابية واعدة، وتغطيات موسعة عبر البرامج الحوارية الفضائية وصفحات التواصل الاجتماعي. إلا أن هذا التوسع في حجم المحتوى وانتشاره لا يصاحبه دائماً تطور مماثل في جودة الممارسة المهنية، إذ تظهر مجموعة من الاختلالات الهيكلية التي تؤثر في طبيعة الخطاب الرياضي ومصداقيته.
ومن أبرز هذه الاختلالات سيطرة ما يمكن تسميته بـ«الإعلام المكتبي» و«إعلام المنصات»، حيث تراجع الاهتمام بالصحافة الاستقصائية والتحليل الميداني في بعض المساحات الإعلامية لصالح نقل الأخبار المتداولة والشائعات، والاعتماد على منشورات مواقع التواصل الاجتماعي دون التحقق الكافي من صحتها. ويؤدي هذا النمط إلى انتشار معلومات غير دقيقة، ويضعف قدرة الإعلام على أداء دوره الرقابي والتوعوي.
ويبرز كذلك غياب التخصص بوصفه أحد التحديات الأساسية، في ظل محدودية مسارات التأهيل الأكاديمي والتدريب المهني المتخصص في الإعلام الرياضي. وقد جعل ذلك جانباً من الممارسة يعتمد على المبادرات الفردية والشغف بالرياضة، دون امتلاك جميع العاملين الأدوات المنهجية اللازمة للتحليل الفني، والتحقق من المعلومات، وفهم اللوائح والقوانين المنظمة للمنافسات.
أبرز معوقات الممارسة في الإعلام الرياضي الليبي
تتداخل عدة عوامل تجعل ممارسة الإعلام الرياضي المهني في ليبيا مهمة محفوفة بالصعوبات، وتتوزع هذه العوامل بين تحديات مهنية وثقافية وأمنية وميدانية، إلى جانب المشكلات اللوجستية والمالية.
أ. شحن التعصب الرياضي وغياب الحياد:تعاني بعض البرامج والصفحات الرياضية من الانحياز المفرط للأندية، على حساب الموضوعية والالتزام بأخلاقيات المهنة؛ إذ يتحول الإعلامي أحياناً من ناقد ومحلل إلى مشجع يتبنى مواقف ناديه المفضل ويدافع عنها دون تمحيص. وقد يسهم هذا الخطاب في تغذية التعصب الرياضي وزيادة الاحتقان بين الجماهير، بدلاً من تعزيز التنافس الشريف واحترام الاختلاف. ومن هنا تبرز ضرورة الفصل بين الانتماء الشخصي للإعلامي ومسؤوليته المهنية في تقديم المعلومات والتحليلات بصورة متوازنة.
ب. الضغوط والتحديات الأمنية:يواجه الصحفي الميداني والمصور الرياضي تحديات تتعلق بسلامته أثناء تغطية المباريات والفعاليات، وقد يتعرض لضغوط أو مضايقات من بعض المشجعين أو روابط المشجعين، فضلاً عن احتمال تعرضه للتضييق من بعض القائمين على إدارة الملاعب أو الأندية. ويمكن أن تؤدي هذه الظروف إلى الحد من حرية التغطية والنقد، وإضعاف قدرة الإعلامي على تناول أداء الفرق أو التحقيق في المخالفات الإدارية والمالية بصورة مستقلة. لذلك، تُعدّ حماية الصحفيين وتوفير بيئة آمنة للعمل الميداني شرطاً أساسياً لممارسة إعلامية حرة ومسؤولة.
ج. ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى المعلومة: تواجه التغطية الرياضية تحديات لوجستية ترتبط بنقص التجهيزات الإعلامية في عدد من الملاعب والصالات الرياضية، مثل ضعف الاتصال بالإنترنت، ومحدودية منصات التصوير، وعدم توافر قاعات مجهزة للمؤتمرات الصحفية. ويضاف إلى ذلك ما قد يواجهه الإعلاميون من بطء الإجراءات الإدارية أو صعوبة الحصول على بيانات رسمية من بعض الاتحادات والأندية. ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة الاعتماد على المصادر غير الرسمية، ويحدّ من فرص إنتاج تقارير ميدانية دقيقة تستند إلى المعلومات الموثوقة والبيانات القابلة للتحقق.
د. نقص التأهيل والأجور المجزية: يمثل ضعف فرص التدريب والتأهيل، إلى جانب عدم استقرار الأوضاع المهنية والمالية، عائقاً أمام تطوير الإعلام الرياضي. فغياب العقود الواضحة والأجور المناسبة والتغطية التأمينية في بعض المؤسسات قد يدفع الكفاءات إلى مغادرة المجال أو البحث عن فرص بديلة. كما أن ضعف الضمانات المهنية قد يجعل بعض العاملين أكثر عرضة للتأثر بمصالح الجهات الممولة أو الضغوط الخارجية. ومن ثم، فإن تحسين ظروف العمل وتوفير حقوق مهنية واضحة يشكلان جزءاً أساسياً من بناء إعلام رياضي مستقل وقادر على الاستمرار والتطور.
وبناءً على ذلك، يمكن تصنيف معوقات الإعلام الرياضي الليبي ضمن ثلاثة مجالات مترابطة: المجال المهني والثقافي، الذي يشمل الانحياز والتعصب وضعف التخصص؛ والمجال الأمني والميداني، الذي يتضمن الترهيب وغياب الحماية والضغوط الجماهيرية؛ والمجال اللوجستي والمالي، الذي يرتبط بضعف التجهيزات الإعلامية وصعوبة الوصول إلى المعلومات وعدم استقرار الأوضاع المهنية. ويكشف هذا التصنيف أن معالجة المشكلة لا يمكن أن تقتصر على تطوير أداء الإعلامي الفردي، بل تتطلب أيضاً تحسين البيئة المؤسسية والتنظيمية التي يعمل ضمنها.
مقارنة بين الوضع الحالي ومعايير الإعلام الرياضي الاحترافي
يتضح التباين بين بعض مظاهر الممارسة الإعلامية الرياضية في ليبيا ومتطلبات الاحتراف عند النظر إلى طبيعة الخطاب الإعلامي، ومصادر الأخبار، وآليات التغطية الميدانية، ومستوى التنظيم المهني. فعلى مستوى الخطاب، قد يغلب الطابع العاطفي والإثارة على بعض البرامج والمنصات، في حين تقوم الممارسة الاحترافية على الموضوعية والتحليل الفني والاستناد إلى اللوائح والقوانين ذات الصلة. ولا يعني ذلك غياب الخطاب المهني عن المشهد الليبي، بل يشير إلى الحاجة إلى ترسيخ معايير واضحة تضمن الفصل بين الرأي والمعلومة، وبين النقد الموضوعي والتشجيع المتعصب.
أما فيما يتعلق بمصادر الأخبار، فإن الاعتماد على التسريبات والمنشورات المتداولة والشائعات دون تحقق يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه المصداقية الإعلامية. وفي المقابل، تستند الممارسة الاحترافية إلى تنويع المصادر، والرجوع إلى البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحفية، والتحقق الميداني من المعلومات، ومنح الأطراف المعنية فرصة للتعليق قبل نشر الأخبار التي تمسها. ويساعد هذا النهج على الحد من التضليل، وتعزيز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.
وفي مجال التغطية الميدانية، قد تؤدي العشوائية وضعف التنظيم ونقص التجهيزات وغياب إجراءات السلامة إلى إعاقة عمل الصحفيين والمصورين، أما البيئة المهنية المتكاملة فتقوم على توفير أماكن مخصصة للإعلاميين، وتجهيزات تقنية مناسبة، وإجراءات واضحة للحصول على التصاريح والمعلومات، وتنظيم المؤتمرات الصحفية، وتطبيق تدابير تحمي العاملين أثناء أداء مهامهم. ويُسهم توافر هذه المتطلبات في رفع جودة التغطية وتسريع نقل المعلومات مع المحافظة على دقتها.
وعلى مستوى التنظيم النقابي، تبرز الحاجة إلى وجود إطار مهني مستقل وفاعل يمثل الإعلاميين والنقاد الرياضيين، ويعمل على الدفاع عن حقوقهم وتنظيم الممارسة المهنية ووضع مواثيق أخلاقية واضحة. وتستطيع رابطة مهنية أو نقابة مستقلة، وفقاً للأطر القانونية المعمول بها، أن تؤدي دوراً مهماً في دعم التدريب، وتسوية النزاعات المهنية، والدفاع عن حرية العمل الصحفي، ومساءلة المخالفات الأخلاقية وفق إجراءات عادلة وشفافة. وبذلك، فإن الانتقال نحو إعلام رياضي أكثر احترافاً يتطلب تطوير الخطاب والمصادر وظروف العمل الميداني والتنظيم المهني بصورة متكاملة، بدلاً من معالجة كل جانب بمعزل عن الجوانب الأخرى.
خطوات للنهوض بالإعلام الرياضي الليبي
يتطلب تطوير الإعلام الرياضي الليبي تبني مجموعة من الإجراءات العملية التي تعالج المعوقات المهنية والتنظيمية والميدانية بصورة متكاملة، ومن أبرزها ما يأتي:
أولاً: تأسيس رابطة مهنية للإعلاميين والنقاد الرياضيين: من الضروري العمل على إنشاء إطار مهني مستقل يضم الصحفيين والإعلاميين والنقاد الرياضيين، ويضع ميثاق شرف ينظم الممارسة ويحمي حقوق العاملين، مع توفير آليات واضحة للتعامل مع الانتهاكات المهنية والدفاع عن حرية التعبير المسؤول.
ثانياً: تجهيز البيئة الميدانية: ينبغي تشجيع الاتحادات والأندية على تطوير المراكز الإعلامية داخل الملاعب، وتوفير اتصال مناسب بالإنترنت، ومناطق مخصصة للتصوير والعمل الصحفي، وقاعات منظمة للمؤتمرات قبل المباريات وبعدها. كما ينبغي اعتماد إجراءات واضحة للتصاريح والتغطية، والاستفادة من المعايير التنظيمية المعمول بها لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) والاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، بما يتناسب مع اللوائح والإمكانات المحلية.
ثالثاً: التأهيل الأكاديمي والتدريب المستمر: يمثل إطلاق دورات وبرامج متخصصة في الإعلام الرياضي الرقمي والصحافة الاستقصائية الرياضية والتحليل الفني وإدارة الأزمات الجماهيرية خطوة مهمة لرفع كفاءة العاملين. ويمكن للجامعات والمؤسسات الإعلامية والاتحادات الرياضية التعاون في تصميم برامج تدريبية تجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
رابعاً: مواجهة خطاب الكراهية والتعصب: يتطلب الحد من الخطاب التحريضي وضع قواعد مهنية واضحة للتغطية الرياضية، وتشجيع المحتوى الذي يعزز الروح الرياضية واحترام المنافسين. وينبغي أن تتم معالجة المخالفات وفق معايير معلنة وإجراءات عادلة، مع التمييز بين النقد الرياضي المشروع والتحريض على الكراهية أو العنف.
خامساً: تحسين الأوضاع المهنية والمالية: من الضروري تشجيع المؤسسات الإعلامية على توفير عقود واضحة وأجور عادلة وضمانات مهنية للعاملين، بما في ذلك حقوق الملكية الفكرية والتغطية التأمينية حيثما أمكن. كما ينبغي دعم استقلالية الإعلامي وتقليل الضغوط التي قد تؤثر في قراراته التحريرية أو تدفعه إلى تبني أجندات لا تخدم المصلحة العامة.
سادساً: تعزيز التحقق والشفافية: يمكن تطوير آليات اتصال واضحة بين وسائل الإعلام والأندية والاتحادات الرياضية، تتيح الوصول إلى البيانات والقرارات الرسمية في الوقت المناسب. كما ينبغي تدريب الإعلاميين على التحقق من الأخبار المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، والاستناد إلى الوثائق والمصادر المتعددة قبل النشر، وتصحيح الأخطاء بصورة معلنة عند وقوعها.
إن إصلاح الإعلام الرياضي في ليبيا ليس ترفاً مهنياً، بل يمثل مدخلاً مهماً لتطوير الرياضة الليبية وتعزيز دورها الاجتماعي والثقافي، فالصحافة الرياضية النزيهة والمحترفة قادرة على الإسهام في كشف أوجه القصور الإداري، ونشر الثقافة القانونية والرياضية، وتقديم تحليل فني موضوعي، وتعزيز الرقابة والمساءلة، بما يساعد على تحويل الرياضة من مجال للتوتر والانقسام إلى مساحة للتنافس الشريف والتواصل والسلام الاجتماعي.
غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تجاوز النظرة التي تختزل الأزمة في سلوك الإعلامي وحده؛ فالمسؤولية مشتركة بين المؤسسات الإعلامية والاتحادات والأندية والجهات التعليمية والتنظيمية، فضلاً عن الجمهور نفسه. ومن خلال تطوير التأهيل المهني، وتحسين ظروف العمل، وتوفير الحماية والتجهيزات، وترسيخ أخلاقيات المهنة، يمكن بناء إعلام رياضي يستجيب لشغف الجماهير الليبية، ويواكب التطورات الحديثة، ويجعل من المهنية والموضوعية أساساً للتأثير الإيجابي في المجتمع.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية