منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*التكلفة الصامتة لغياب الوقاية والبنية الصحية*

التكلفة الصحية الصامتة لا تتجلى في سوء الاستخدام أو الانحراف داخل النظام الصحي فقط إنما تبدأ من نقطة أكثر بداهة وخطورة تبدأ من الغياب ذاته، غياب ما كان ينبغي أن يوجد قبل أن يظهر المرض. فحين تغيب الخدمات الصحية الاستباقية والتنبؤية والوقائية، ويتراجع الكشف المبكر المستمر، لا يعود المرض حدثًا طارئًا إنما يصبح مسارًا متوقعا ينمو في الظل حتى يبلغ ذروته حين يصبح العلاج أكثر تكلفة وأقل جدوى. وفي هذا السياق لا يكون غياب رعاية الحمل قبل وأثناء وبعد الولادة مجرد نقص في خدمة، هو إخلالًا بدورة الحياة نفسها ، حيث تُفقد فرص حماية الأم والجنين وتُهدر إمكانية الوقاية المبكرة، لتتحول مضاعفات يمكن تجنبها إلى أعباء صحية ممتدة، تُدفع أثمانها لاحقًا بأضعاف مضاعفة، طبيًا واقتصاديًا وإنسانيًا. ويمتد هذا الغياب إلى مستوى الوعي المجتمعي، حيث تتراجع التوعية الصحية المستمرة، وتغيب الثقافة الصحية، وتُترك الأمية الصحية لتتجذر في انفصال واضح بين الإنسان والمعرفة التي تحميه. فلا تعود الصحة سلوكا يوميًا بل استجابة متأخرة للألم. ويزداد الأمر تعقيدًا حين لا تُدمج العلوم الصحية والطبية في مراحل التعليم، فينشأ جيل لا يفتقر إلى الخدمات فحسب، وإلى القدرة على فهمها والتعامل معها. أما على مستوى السياسات، فإن غياب تطبيق السياسات الصحية عبر القطاعات كافة العامة والخاصة يُفرغها من معناها ويحولها إلى نصوص معزولة عن الواقع. فالصحة ليست مسؤولية قطاع واحد، هي نتاج تفاعل معقد بين البيئة والتعليم والإسكان والمياه والغذاء والعمل. وعندما يغيب هذا التكامل تتكاثر عوامل الخطر بصمت، وتُبنى بيئة مولّدة للمرض بدل أن تكون حاضنة للصحة. وفي قلب هذا المشهد تبرز أزمة البيئة الصحية في غياب التخطيط الصحي وسوء إدارة النفايات والمخلفات والتخلص غير الآمن منها وتلوث الهواء والمياه، وغياب أنظمة الصرف الصحي والمعالجة السليمة، واستمرار الاعتماد على حلول بدائية كالحفر الامتصاصية والآبار السوداء، بما يؤدي إلى اختلاط المجاري بالمياه الجوفية وتلوث مصادر الشرب والزراعة. وهنا لا يكون التلوث مجرد خلل بيئي إنما مصنعا صامتًا للأمراض، تُدفع تكلفته لاحقًا في المستشفيات بدل أن تُمنع في المصدر. ولا يقل خطورة عن ذلك غياب الرعاية الصحية الأولية الحارس الصحي الأول التي وُجدت لتكون قريبة من الناس ولأجلهم، للكشف المبكر والعلاج المبكر وإدارة الأمراض المزمنة، وتنظيم الإحالة. وحين تغيب أو تُهمش يفقد النظام بوصلته، وتتحول المستشفيات بطبيعتها المعقدة والمكلفة إلى نقطة الدخول الأولى لكل الحالات، مهما كانت بسيطة، في اختلال هيكلي يرفع التكلفة ويخفض الكفاءة. ويتعاظم هذا الاختلال مع غياب السجلات الصحية الموحدة، حيث تضيع البيانات ويتفتت التاريخ المرضي، ويصبح المريض الواحد عدة مرضى في آن واحد، بلا ذاكرة صحية تحفظ مساره، ولا معلومات تُبنى عليها القرارات. وفي ظل غياب نظام إحالة فعّال، تتكدس الخدمات وتتكرر الفحوصات وتتضخم التكاليف دون تحسن موازي في النتائج. كل ذلك ليس مجرد أوجه قصور متفرقة، إنها منظومة غياب متكاملة تُنتج واقعا صحيًا هشا تتفشى فيه الأمراض، وتتأخر فيه الاكتشافات، وتتعقد فيه الحالات، وتتصاعد فيه التكلفة سواء دفعتها الدولة في محاولات علاج متأخرة، أو دفعها المواطن من ماله الخاص في رحلة بحث مرهقة عن الشفاء. وهنا تتجلى الحقيقة الأعمق إن الوقاية ليست خيارًا أقل تكلفة فحسب إنما هي الفارق بين نظام يُدير المرض ونظام يصنع الصحة. وبين الاثنين، تُنفق المليارات إما لمنع ما يمكن منعه، أو لعلاج ما كان يمكن تجنبه.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

نعيمة الطاهر

شخصيتنا الليبية بين التقليد و ” وذهاب الشيرة ” !!..

بداية القول ، أنا لست ضد التطور والتطوير ، ومشاركة الأخرين بعض المحتويات التي ستضيف …