منصة الصباح
د.عبد الله محمد أطبيقه
الدكتور عبدالله محمد أطبيقه قسم الإعلام جامعة سرت

إدارة الأزمات والكوارث في عصر الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي: التحول من الاتصال التقليدي إلى الاستجابة الذكية

تُشكل الكوارث والأزمات الكبرى – سواء كانت طبيعية كالزلازل والفيضانات، أو بشرية كالحوادث الصناعية والأزمات الصحية والأمنية – اختباراً حاسماً لجاهزية الدول والمؤسسات، وفي عصر السيولة الرقمية، لم تعد إدارة الكوارث تقتصر على الفرق الميدانية والإعلام التقليدي؛ بل أصبحت بيئة الإعلام الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي (AI) هي الغرفة المركزية لتوجيه عمليات الإنقاذ، وإدارة تدفق المعلومات، والسيطرة على الرأي العام.

غير أن هذا التداخل ثلاثي الأبعاد (الكوارث – الإعلام الرقمي – الذكاء الاصطناعي) يُعد سيفاً ذو حدين؛ فهو يقدم إمكانيات فائقة للإنقاذ والاستجابة المبكرة، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام مخاطر التضليل وشلل استجابات الطوارئ إذا لم يُدر بحكمة وتخطيط استراتيجي.

منظومة الذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي عبر مراحل إدارة الكوارث

تتطلب إدارة الأزمات والكوارث تدفقاً سلساً ودقيقاً للمعلومات عبر الأبعاد الثلاثية للمشهد الاستجابي:

مرحلة ما قبل الكارثة: التنبؤ والإنذار المبكر

التنبؤ القائم على البيانات الضخمة: تُستخدم الخوارزميات لمعالجة صور الأقمار الصناعية، وبيانات الأرصاد، والمؤشرات البيئية للتنبؤ بالكوارث الطبيعية قبل وقوعها، مع تحديد النطاقات الجغرافية الأكثر عرضة للخطر.

الإنذار المبكر عبر المنصات الرقمية: إرسال تنبيهات موجهة جغرافياًعبر هواتف المواطنين ومنصات التواصل الاجتماعي، متضمنة تعليمات الإخلاء والمسارات الآمنة باللغات المختلفة.

محاكاة الكوارث وبناء السيناريوهات: استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي والواقع الافتراضي لتصميم سيناريوهات استجابة افتراضية لتدريب فرق الطوارئ ومسؤولي الإعلام الاتصالي.

مرحلة الاستجابة والمواجهة: إدارة الأزمة ميدانياً وإعلامياً

خرائط الاستجابة التشاركية: أثناء الكوارث الكبرى، يتحول مستخدمو الإعلام الرقمي إلى “مخبرين ميدانيين”. وتقوم أدوات الذكاء الاصطناعي بتحليل ملايين التغريدات والنداءات ورسائل الاستغاثة، لتحديد أماكن العالقين والمصابين وتوجيه فرق الإنقاذ إليها.

الصحافة الرقمية المؤتمتة وروبوتات الخدمة: توظيف منصات التواصل التفاعلية والشارح الآلي لتزويد المواطنين بمعلومات فورية حول مراكز الإيواء، وإمدادات المياه، والإسعافات الأولية، مما يقلل الضغط على خطوط الطوارئ المزدحمة.

كشف الشائعات ومحاربة التزييف: تعمل أدوات معالجة اللغة الطبيعية على رصد الأخبار الزائفة والتزييف العميق والصور المضللة التي قد تسبب الهلع أو تعرقل خطط الإخلاء، وتفنيدها ببيانات رسمية فورية.

مرحلة ما بعد الكارثة: التعافي والتقييم

حصر الأضرار وتقييم الاحتياجات: تحليل الصور الجوية والبيانات الرقمية الصادرة عن المواطنين لتقييم حجم الدمار في البنية التحتية وتوزيع المساعدات والتعويضات بدقة.

الدعم النفسي والاتصال المجتمعي: استغلال وسائل الإعلام الرقمي في تقديم حملات التأهيل النفسي والتضامن المجتمعي، وتوثيق قصص النجاح لإعادة بناء الأمل والتماسك في المجتمعات المتضررة.

التحديات الجسيمة في البيئة الرقمية أثناء الكوارث

رغم النجاحات التي توفرها التكنولوجيا، يواجه صنّاع القرار وإعلاميو الأزمات عقبات وتحديات خطيرة:

طوفان التضليل الشديد: انتشرت المعارف المغلوطة والشائعات بسرعة تفوق سرعة انتشار الكارثة نفسها، مما يؤدي إلى تشتيت جهود الإنقاذ وإثارة الذعر بين الضحايا.

انهيار البنية التحتية للاتصالات: في الكوارث الطبيعية الكبرى (كالزلازل والفيضانات)، قد تتضرر شبكات الإنترنت والكهرباء، مما يعطل أدوات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي ويستوجب وجود خطط بديلة تعتمد على شبكات الراديو التقليدية وأجهزة الاتصال الفضائي.

الانحياز الخوارزمي والفجوة الرقمية: قد تغفل أدوات الرصد الذكي القرى والمناطق النائية أو الفئات الأقل استخداماً للتكنولوجيا (ككبار السن)، مما يهمش استغاثاتهم لصالح المناطق الحضرية الأكثر نشاطاً رقمياً.

التزييف العميق والعمليات المضللة: استخدام تقنيات توليد الصور والفيديوهات المزيفة لإشاعة عدم الاستقرار أو ابتزاز المؤسسات وإرباك الغرف الأمنية والإغاثية.

القواعد الاستراتيجية للإدارة الذكية والأخلاقية للأزمات

لضمان تحقيق أقصى استفادة من التكنولوجيا دون الوقوع في فخاخها، يتعين على غرف إدارة الأزمات والهيئات الإعلامية الالتزام بالمرتكزات التالية:

غرف عمليات مدمجة: تشكيل فرق عمل تجمع بين خبراء الذكاء الاصطناعي، وإعلاميي إدارة الأزمات، والفرق الميدانية للتحقق من البيانات المترجمة آلياً قبل تحويلها لقرارات ميدانية.

ميثاق الشفافية والتثبت السريع: الإفصاح المباشر عن الحقائق أولاً بأول لتفويت الفرصة على الشائعات، وتخصيص قنوات رقمية رسمية وموثقة تكون المصدر الوحيد للمعلومة المؤكدة.

مراعاة الجوانب الأخلاقية والإنسانية: حظر نشر صور ومقاطع الضحايا أو استثمار الكارثة لتحقيق قفزات في التفاعل الرقمي ، والحفاظ على خصوصية بيانات المستغيثين.

تأمين بدائل اتصالية غير رقمية: عدم الاعتماد الكلي على الشبكات الرقمية، ودمج وسائل الإعلام التقليدي (كالإذاعة والتلفزيون) في منظومة الاستجابة الوطنية لضمان الوصول لجميع الفئات.

إن إدارة الأزمات والكوارث في الوقت الراهن أصبحت معركة مع الزمن، وتتطلب عقولاً بشرية واعية تقود أدوات تكنولوجية متقدمة. والذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي ليسا مجرد وسائل لنقل الخبر أو جمع البيانات، بل هما أدوات لإنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة. والمؤسسات والأمم القادرة على الصمود في المستقبل هي التي تنجح في تحويل هذا الفيض الرقمي من مصدر للإرباك والشائعات إلى درع متين للحماية والاستجابة الفعالة..

د. عبدالله محمد أطبيقه

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

*المركز الصحي الجامع من رعاية المرض إلى صناعة الصحة والعمر الصحي*

إن بناء النظام الصحي الليبي الجديد لا يبدأ من المستشفيات وحدها وإنما من إعادة بناء …