ذهبت لإتمام إجراء ما في إحدى الجهات الحكومية، فقيل لي: “تعالي غدوة، الموظف ما جاش اليوم”. عدت في اليوم التالي ليطلب بدوره مني العودة بعد أيام. لكن انتظار أيام يعني فوات فرصة ما، فطلبت منه، في رجاء يائس، إتمام إجراءاتي في نفس اليوم.
بعض الموظفين يعتبرون وجودهم في مكاتبهم وإنجاز معاملات المترددين بمثابة فضل منهم، لا مهمة يتقاضون عليها مرتبًا، فإذا قالوا: “تعالى غدوة”، أُغلق باب النقاش تمامًا؛ وإن حاولت فتحه، ربما اعتُبر ذلك مساسًا بكرامتهم، فتتحول “غدوة” إلى أسبوع من المماطلة أو أكثر، خاصة إذا تطرق المواطن إلى الحقوق والواجبات ومسؤوليات الوظيفة.
حاولت إبقاء الأمر في المساحة الإنسانية، ولم أتجرأ على مخاطبة الضمير أو استحضار القانون، وفجأة بدا وكأن الموظف قرأ اسمي للمرة الأولى، فسألني عن قريب لي يحمل اللقب نفسه. كانت ملامحه توحي بمودة قديمة تجاه قريبي، فتمسكت بالخيط، وتذاكرنا سيرته وأسماء أفراد أسرته. قال إنهما درسا معًا منذ الابتدائية حتى التخرج، وظلت العلاقة حميمة بين العائلتين، حتى فرّقتهما وفاة قريبي قبل سنوات.
ثم قال: “خلاص، ما دامك جيتي من طرف رضوان رحمه الله، نتملك إجراءك اليوم”! وفعلًا، لم أنتظر للغد ولا لما بعده، وخرجت وقد أتممت ما جئت لأجله، بفضل الله، ثم فزعة قريبي وهو تحت التراب، وشهامة ووفاء صديقه الذي حركته إنسانيته لا قوانين وعادات الوظيفة.
غادرت وفي ذهني تدور أسئلة: كيف يمكن للوفاء أن يكون أقوى من جمود الوظيفة؟ وكيف يقدم إنسان خدمة لشخص لمجرد أنه قريب لصديق غادر الدنيا، مع أن ذلك الصديق لم يطلبها، ولن يعلم بها، ولن يشكره عليها؟
لعل من نعم الله على عبده أن يجعله مفتاحًا للخير حيًا وميتًا. حتى إن صديقه قال لي: “لو احتجتِ أي خدمة من هذا المرفق، كلميني، أنتِ من طرف رضوان رحمه الله”.
وجدت نفسي مدينة لـ “رضوان”، الشاب الخيّر الطيب الذي توفي قبل سنوات بعد صراع مع المرض. أسعدتني اللفتة الإنسانية، وجعلتني أتأمل أن بعض الموظفين ربما لا تنقصهم الفضيلة ولا الحس الإنساني، لكنهم أسرى بيئة وظيفية ألفوا قواعدها وأبقوها كما هي؛ تفشل الرقابة والنقد والتوعية في ثنيهم عن “تعالى غدوة”، بينما يمكن لذكرى متوفى أن تستنهض هممهم وتحفز إنسانيتهم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية