قبل 2011م، كانت ليبيا بحاجة إلى قراءة متغيرات المحيط حولها، لكنها كانت غارقة في اللحظة وكأن العالم سيستمر بعقلية القرن العشرين، كنا نعتقد أننا نحوز أوراقًا تفاوضية بحكم موقعنا الجغرافي ولدينا “غرين ستريم”، وقتها كان لدى الجزائر “ترانس ميد”، ومع ذلك شرعت منذ سنوات مع إسبانيا في بناء “ميدغاز”، وفي فبراير 2011م توقف “غرين ستريم” وفي أبريل بدأ “ميدغاز” تشغيله التجاري، بطاقة أولية بلغت 8 مليارات متر مكعب سنويًا.
القراءة تمكنك من استثمار موقعك الجغرافي استراتيجيًا، لتكون في الموعد كلما حدث تغيير في حسابات رقعة الشطرنج، بغض النظر عن شكل التغيير. و”من لا يدرس لا ينجح” ليست عبارة مدرسية فقط، لكننا لم نقرأ الغد ولم نفهم الاتجاه: من يبني بدائل لما لدينا ولديه؟ وما الذي ستفعله هذه البدائل بقيمة موقعنا؟ وما خطتنا الاستراتيجية لتجاوز نتائج هذه البدائل؟ ومن سيملأ الفراغ إن غبنا؟
اليوم يعاد تشكيل المحيط حولنا من جديد. الجزائر تكمل بناء موقعها في مسارات الطاقة بين أفريقيا وأوروبا عبر مشروع لتصدير الغاز النيجيري إلى أوروبا مرورًا بالنيجر، بينما يحرز مشروع نيجيريا–المغرب، الممتد عبر دول غرب أفريقيا وصولًا إلى الشبكة الأوروبية، مزيدًا من التقدم، ومصر بدورها تعزز مكانتها كمركز إقليمي لإسالة وتصدير الغاز على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر محطتي الإسالة في دمياط وإدكو، إضافة لكونها الشريك الأهم في خط “سوميد”.
تظهر أحداث مضيقي هرمز وباب المندب أن التغيير لا يستثني أي محيط، وأن الحياة ستستمر، ولكن عبر بدائل أخرى استثمرت في زمن الوفرة والرخاء استعدادًا للحظة الخيارات البديلة. ونحن ما زلنا نعيد إنتاج اقتصاد ريعي يعتمد على تصدير النفط الخام واستيراد المنتجات، ويمكن لخلافاتنا الداخلية تعطيل إنتاجه وتصديره حتى بواسطة من يتقاضون مرتباتهم لحمايته. نخوض أزمات الكهرباء والمياه والوقود والسيولة والأمن والصحة والغذاء، وننتظر توافق المجتمع الدولي كي ننفذ انتخابات قد نختلف عليها كما اختلفنا من قبل.
مشكلتنا الأساسية أننا لم نتعلم بعد كيف نقرأ الغد. وحتى عندما نحاول، نستخدم معايير ومعطيات قديمة، ولا نملك إجابة السؤال: كيف نرى ليبيا بعد خمس سنوات؟ مجرد دولة تقع على الخريطة، أم دولة تؤثر في الخريطة؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية