منصة الصباح

من المسؤول الفعلي عما يحدث !!؟

يمكنني أن أظل يومًا كاملًا أتحدث عن سوء التعليم والمعلم، وتراجع الطب والطبيب.. فالقصص لا تتوقف، داخل وخارج مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا، ومستشفياتنا ومستوصفاتنا، عن الإهمال والفساد وتردي الخدمات وتراجع الأخلاق والقيم.

لكن، في المقابل، يمكن الحديث لأيام عن مدارس تُدار بمثالية عالية، ومعلمين في مثابة الأنبياء، ومستشفيات وإن افتقدت للكثير، فإن طواقمها تقدم ما أمكن وأكثر، وأطباء حفظوا القسم والعهد.

المشكلة إذن ليست في المعلم وحده، ولا في الطبيب وحده..

بين هذا السيئ وذاك الجيد، تقف منظومة معطلة ومتهالكة، يشوبها الفساد، وتنتشر حولها أخبار التجاوزات المالية وإهدار المال العام… من صرف غير قانوني وإنفاق غير مبرر، إلى اختلاسات وميزانيات منهوبة وفواتير ضخمة.. والمحصلة في النهاية: صفر..!!

وعند الحديث عن المسؤولين، لا تسمع إلا عن استغلال الوظيفة، وتمكين غير المستحقين، وتمرير المعاملات أو تعطيل الإجراءات لأسباب شخصية، وإساءة استخدام السلطات والصلاحيات.

فلم يعد غريبًا أن يطلب منك الطبيب إحضار بعض المواد والمعدات غير المتوفرة لإجراء عملية، بينما المخازن مليئة بها..

ولم يعد مستهجنًا أن تحضر المعلمة من بيتها القلم والطباشير والورق، بينما الفواتير مضاعفة.

لا كراسي ولا مقاعد، ولا كتب ولا معدات، ولا غرف مجهزة، ولا حمامات في كثير من هذه المؤسسات..

ثم نضع المعلم والطبيب في عين المدفع!

عندما يفشل التلميذ، فالمعلم هو السبب.. وعندما يموت المريض، فالطبيب هو السبب!

نعم، ليس من اللائق أن يمتنع المعلم عن أداء رسالته، ولا من المقبول ألا يقدم الطبيب خدماته لمن يحتاجها.

لكن هل يمكن أن نطلب من المعلم أن يصنع تعليمًا جيدًا في بيئة لا توفر له أبسط أدوات التعليم؟

وهل يمكن أن نطلب من الطبيب أن يقدم طبًا متقدمًا في مستشفى تنقصه المعدات والأدوية والإمكانات؟

المسألة تجاوزت وجود المعلم وغياب الطبيب.. وتجاوزت أخطاء هذا الطبيب أو تقصير ذاك المعلم.

المسألة أصبحت مرتبطة بجودة غائبة، وبيئة طاردة، ومنظومة تحتاج إلى إصلاح حقيقي، لا إلى تحميل كل إخفاقاتها لمن يقف في آخر السلسلة.

لا يمكن لمشرط الطبيب وحده أن يصلح منظومة صحية متهالكة، ولا لأمانة المعلم وحدها أن تنقذ تعليمًا أُنهكت مؤسساته.

المعلم والطبيب جزء أساسي من الحل، نعم.. لكنهما ليسا المشكلة وحدهما.

وحين تكون المنظومة فاسدة أو عاجزة أو معطلة، فإن محاسبة من يعمل في مقدمتها وحده، وترك من يديرها خلف الأبواب، لن يصنع تعليمًا أفضل، ولن يعيد للمستشفى عافيته.

نحن بحاجة إلى أن نسأل السؤال الأصعب:

أين الخلل الحقيقي.. ومن المسؤول عن أن تبقى مدارسنا ومستشفياتنا على هذا الحال؟

فالإصلاح لا يبدأ من الفصل وحده، ولا من غرفة العمليات وحدها.. بل من المنظومة التي تدير الاثنين.

إيناس إحميدة

شاهد أيضاً

المصور الليبي محمد أمْنينة يحمل كاميرته أثناء توثيق مشروع «ما بعد الآن» عن تعافي مدينة درنة وسكانها بعد إعصار دانيال.

«ما بعد الآن».. التعافي لم يكن واحدا.. والكاميرا لاتنسى

الصباح/ حنان علي كابو لم تنتهِ حكاية دانيال والمدينة التي ذهبت باكملها الي البحر . …