جمعة بوكليب
زايد…ناقص
“الزناقي أو الزنق” – جمع زنقة – السمة الأساسية للمدن القديمة. وهي تتفاوت في الطول والاتساع. في المدينة القديمة بطرابلس هناك “زناقي” لا تتسع لمرور شخصين. في العديد من البلدان العربية، خاصة في المشرق، يسمون الزنقة “زُقاق” وجمعها “أزقة”. “زُقاق المَدق” واحدة من أشهر روايات الروائي المصري المرحوم نجيب محفوظ.
“الزناقي أو الزنق” بعضها مسدودة، لا تؤدي إلى أي مكان، ويسمونها في طرابلس (لاطمة)، يعرفها المقيمون في المنطقة، أما الغرباء عنها فكثيرًا ما يقعون في المحظور. لم أسمع العقيد القذافي طيلة اثنين وأربعين عامًا يذكر الزنقة، إلا في الخطاب الذي ألقاه في شهر فبراير العام 2011، واشتهر ذلك الخطاب باسم “زنقة زنقة.”
في وقت مضى، في طرابلس القديمة، يسخرون الشخص العاطل عن العمل ويعيش عالة على أسرته، بأنه: “يفصّل في الشوارع ويخيّط في الزنق.”
المثل الشعبي القائل: “وقفتْ الزنقة للهارب” يعني دخوله في زنقة لاطمة. دخول “زنقة لاطمة” بالخطأ يعني أمرًا واحدًا فقط: ألا خروج منها إلا بالعودة من نفس الطريق.
الزنقة اللاطمة لا تقتصر على المبنية من الحجر. ثمة زناقي لا تُرى بالعين، لكنها أشد ضيقًا وأصعب مخرجًا: زناقي القرار، وزناقي المصير، وزناقي التاريخ. يدخلها الفرد كما تدخلها الأمم، ظانّين أن المخرج قريب، فإذا بهم يكتشفون، بعد فوات الأوان، أن لا خروج منها إلا من حيث دخلوا – إن كان للخروج أصلًا من سبيل.
دخول الزناقي اللاطمة بالخطأ لا يقتصر على الأشخاص العاديين، بل يطول حتى أهل السياسة. من الممكن الاستشهاد بورطة الرئيس الأميركي في إيران. الأمر كذلك يطول الدول والشعوب والأمم، وقطاعات حياتية عديدة.
على المستوى الفردي، من الممكن جدًا أن يتورط امرؤٌ – رجلًا كان أم امرأة – في زنقة زوجية لاطمة! وتظل الغربة أقدم زنقة لاطمة عرفها التاريخ. أغلب من يدخلونها لا يعودون منها إلا في أكفان وتوابيت. هذا إن عادوا!
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية