لم يُولد نظام التأمين الصحي كفكرة شريرة إنما قُدِّم بوصفه حلاً مالياً يهدف إلى توزيع المخاطر وتخفيف عبء تكاليف العلاج. غير أن هذه الفكرة تنتمي إلى منطق السوق وليس إلى منطق الإنسان، فهي تقوم على تحويل المرض إلى احتمال مالي، وعلى تسعير الألم وعلى إدخال الصحة في معادلة الربح والخسارة.
وهنا تكمن الإشكالية العميقة فكيف يمكن لحق أصيل كالصحة أن يُدار بالأدوات ذاتها التي تُدار بها التجارة؟ إن ما يبدو ظاهرياً كآلية عقلانية لتقاسم المخاطر يخفي تحولاً أخلاقياً خطيراً، حيث ينتقل المجتمع من مفهوم التضامن الإنساني المباشر إلى تعاقد مالي مشروط. فلا يعود الإنسان مستحقاً للرعاية لأنه إنسان إنما لأنه مشمول ببوليصة أو قادر على الدفع أو مستوفي لشروط التغطية.
وبهذا تتآكل فكرة الصحة كحق وتُستبدل بمنفعة قابلة للتسعير والتقييد. ومع تطور هذا النموذج لم يعد التأمين مجرد أداة تنظيمية إنه تحول إلى منظومة معقدة تضيف طبقات كثيفة من البيروقراطية والهدر المالي. فوجود وسيط مالي بين المريض ومقدم الخدمة لا يؤدي بالضرورة إلى خفض التكاليف إنما كثيراً ما يسهم في تضخمها، حيث ترتفع أسعار الخدمات الطبية والأدوية لتعويض تكاليف الإدارة والتسويق والنزاعات، فتبتعد المنظومة عن جوهرها العلاجي وتغرق في حسابات مالية معقدة. ولا تقف الإشكالية عند حدود التكلفة إنها تمتد إلى تشويه السلوك الطبي ذاته.
ففي ظل الحوافز الاقتصادية، تسعى بعض المؤسسات الصحية وشركات التأمين إلى تعظيم أرباحها، أحياناً على حساب جودة الرعاية. فتُفرض قيود على الأدوية، وتُقلص التغطية، وتتعطل الإجراءات الإدارية وصول المرضى إلى العلاج في الوقت المناسب، بينما تُشجّع بشكل مباشر أو غير مباشر ممارسات مثل إجراء فحوصات غير ضرورية لزيادة المطالبات المالية.
وهنا يتجلى انحراف جوهري في فلسفة النظام: إذ يتحول التدقيق من كونه تدقيقاً طبياً يركز على جودة الرعاية وسلامة المرضى، إلى تدقيق مالي ينشغل بخفض الفواتير وتقليص النفقات. ومع هذا التحول، يفقد المريض مكانته كإنسان، ويُختزل إلى رقم أو ملف تكلفة داخل منظومة حسابية.
وفي البيئات التي تعاني من ضعف الحوكمة، تتفاقم هذه الإشكاليات لتأخذ أشكالاً أكثر خطورة من الاحتيال المنظم وتضخيم الفواتير، إلى استغلال بيانات المرضى حتى المتوفين منهم لاستخراج مطالبات وهمية، وصولاً إلى ما يمكن تسميته توليد الطلب المصطنع، حيث يُدفع النظام نحو إنتاج مرضى أو إجراءات لا ضرورة لها فقط لتعظيم العائد المالي. وهنا لا يكون الفساد انحرافاً عارضاً إنما نتيجة منطقية لبنية نظام يربط الصحة بالربح. والمفارقة أن هذه الأنظمة رغم ما تستهلكه من موارد هائلة لا تحقق بالضرورة نتائج صحية أفضل.
إذ تُظهر المقارنات الدولية فجوة واضحة بين حجم الإنفاق وكفاءة المخرجات، حيث تنفق الأنظمة القائمة على التأمين نسباً مرتفعة من الناتج المحلي دون تحقيق تغطية شاملة أو عدالة صحية حقيقية.
في المقابل تُظهر النماذج القائمة على التمويل العام المباشر قدرة أعلى على ضبط التكاليف وتقليل الهدر، وتعيد توجيه الموارد نحو الوقاية والرعاية الأساسية. فالأنظمة التي تُموّل من خلال الدولة أو الصناديق العامة لا تنطلق من منطق إدارة المرض كتكلفة إنما من منطق حماية الصحة كحق. وهي تقلل من التعقيد الإداري، وتُلغي تعدد الوسطاء، وتُعيد بناء العلاقة بين الطبيب والمريض على أساس مهني وأخلاقي وليس تعاقدي تجاري.
إن جوهر القضية لا يكمن في إصلاح التأمين الصحي أو تحسين كفاءته ولكن في إعادة طرح السؤال من أساسه هل يمكن لنظام يقوم على تسليع الصحة أن يكون عادلاً؟ أم أن العدالة الصحية تقتضي الخروج من هذا الإطار بالكامل، والعودة إلى مبدأ أبسط وأكثر إنسانية وأن يُعالج الإنسان لأنه إنسان وليس لأنه مؤمَّن عليه؟
في هذا السياق لا يبدو التأمين الصحي مجرد أداة معيبة إنما تجسيداً لفلسفة أعمق وضعت السوق في قلب الصحة، وحوّلت أحد أنبل مجالات الحياة إلى مساحة للاستثمار والمضاربة.
ومن هنا فإن أي نقاش جاد حول إصلاح المنظومات الصحية لا بد أن يتجاوز نقد الممارسات إلى مساءلة الفكرة ذاتها، وإعادة الاعتبار للصحة كقيمة إنسانية لا يجوز إخضاعها لمنطق الربح.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية