د.علي المبروك أبوقرين
الماء هو المعنى الأعمق للحياة به خلقت وبه تستمر وبدونه تتآكل الاجساد، الماء حق مقدس وليس خدمة، وأول شروط الكرامة الانسانية، لكن ماذا لو أصبح هذا الحق ذاته خطرا، وماذا لو صار ما نشربه كل يوم طريقا بطيئا نحو المرض، إن الأرقام الأخيرة ليست مجرد احصاءات، انها انذار حين يرصد وجود بكتيريا اي كولاي أو غيرها في مياه الشرب لدى ما يقارب نصف الأسر، فهذا ليس خللا عارض إنه انهيار في أبسط قواعد الصحة العامة، وحين لا يحصل سوى 38% فقط من الناس على مياه آمنة فهذا يعني أن الأغلبية تعيش يوميا على حافة الخطر دون أن تدري, الأمر لا يتعلق بالمصدر فقط إنما بسلسلة كاملة من الإهمال، نحن أمام مشهد مائي معقد وخطير، مياه جوفية تغيرت خصائصها، ونهر صناعي عظيم يئن تحت ضغط التعديات والاعطال، ومدن بلا شبكات حديثة، وأحياء عشوائية تعتمد على آبار سطحية متجاورة مع آبار الصرف الصحي، وفي لحظة المطر تختلط السماء بالأرض وتختلط المياه النظيفة بالمياه الملوثة لتدخل البيوت دون أن يراها أحد، ثم تبدأ رحلة أخرى من المخاطر خزانات أرضية اسمنتية قديمة أو حديدية تصدأ أو بلاستيكية تتفاعل مع الحرارة، ومياه تنقل في صهاريج لا تعرف نظافتها ولا مصدرها، ومحلات تبيع مياه مفلترة بلا رقابة، ومصانع تعبئة تنتشر بلا معايير تعرض منتجاتها للشمس والغبار وعوادم السيارات، إنها ليست مجرد مشكلة مياه إنها منظومة تلوث متكاملة، والأخطر من ذلك أن الخطر غير مرئي لا لون له لا طعم لا رائحة يشربه الأطفال ويضعه المرضى في أجسادهم وتحضر به الأدوية والطعام، إنها كارثة صامتة، ماذا يعني هذا صحيا يعني زيادة في أمراض الجهاز الهضمي والاسهالات والتسممات وأمراض الكلى والتهابات خطيرة قد تصل إلى الوفاة لدى الفئات الهشة، يعني استنزافا للنظام الصحي وتكلفة علاجية كان يمكن تجنبها بكأس ماء نظيف، لكن الحقيقة الأهم أن هذه ليست مسؤولية فرد إنها مسؤولية دولة ومجتمع، ما الذي يجب أن يحدث الآن.
– أولا :- على مستوى الدولة إعلان ملف المياه كأولوية وطنية طارئة، ومراقبة جودة المياه بشكل يومي وشفاف من المصدر إلى المستهلك، وصيانة عاجلة لشبكات النهر الصناعي والآبار ومحطات المعالجة، ووقف التعديات وتجريم تلويث مصادر المياه، وتنظيم صارم لمصانع التعبئة ومحلات بيع المياه، وإنشاء نظام وطني لمراقبة المياه وربطه ببيانات علنية للمواطنين، والاستثمار في شبكات مياه وصرف صحي حديثة خصوصا في المناطق العشوائية.
– ثانيا :- على مستوى البلديات، التخلص الآمن من مياه الصرف الصحي ومنع تسربها إلى المياه الجوفية، ومراقبة صهاريج نقل المياه وتعقيمها دوريا، وفحص دوري لخزانات المنازل بالتعاون مع الجهات الصحية.
– ثالثا :- على مستوى المجتمع، عدم الثقة العمياء في أي مصدر ماء غير موثوق، وتنظيف الخزانات المنزلية بشكل دوري، وغلي المياه عند الشك في جودتها، وتجنب تخزين المياه لفترات طويلة دون تعقيم، والحذر من المياه المعروضة في ظروف غير صحية. لكن كل هذه الإجراءات لن تكفي إذا لم يحدث التحول في الوعي. يجب أن يدرك الناس أن الماء ليس شيئا بسيطا فهو أخطر ما يمكن أن يهمل، ويجب أن تدرك الدولة أن الأمن المائي هو أمن صحي وأمن قومي. في الدول المتقدمة لا يترك الماء للصدفة إنما يراقب كما تراقب الأدوية وأكثر، لأن خطأ واحدا فيه قد يصيب مدينة كاملة، أما نحن فنشرب دون أن نعرف..
– الامم لا تموت فقط بالحروب إنما تموت أيضا بكأس ماء ملوث، ولهذا يجب أن يرفع هذا الملف إلى أعلى درجات الطوارئ الآن .. هذه ليست دعوة للقلق إنها دعوة للاستيقاظ قبل أن يصبح الماء سببا للعطش الأبدي..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية