جمعة بوكليب
زايد..ناقص
الأحجارُ هي الهوّية الحقيقية للوديان، والشاهد الوحيد على كل السيول التي مرت بها ورحلت. لذلك قيل: «ما يقعد في الوادي إلا أحجاره». أما ما يجيء مع السيول، من قش ورغوة وحصى، فلا يبقى.
معنى المثل، في رأيي، لا يحتاج توضيحًا أو تفسيرًا. لكن الناس أحيانًا في حاجة إلى تذكير. يحدث ذلك في أوقات الأزمات، حين تهتز فجأة الأرض التي كانت ثابتة تحت أقدامهم، ويعتريهم ارتباك وخوف وتبلغ القلوب الحناجر. في تلك اللحظات يفقدون ما هم في أمسّ الحاجة إليه: البوصلة-عقولهم.
يحدث ذلك حين يتلاشى السلام الاجتماعي، وتنهار أعمدة الحكمة، ويصير الاستقرار أنقاضًا، فلا يجدون وقتًا للتفكير ولا عقلًا للتبصر، لأن هم الأكثرية ينحصر في النجاة من الهلاك الذي قد يحيق بهم، وهمُّ الأقلية يتمثل في انتهاز الموقف. وهم ، في الحالتين، ينسون أو يتجاهلون الالتفات إلى ما تركه لهم الآباء والأجداد من تجارب وخبرات، وإلى ما وثّقه المؤرخون في تاريخ بلادهم من أزمات وأحداث، لعلهم يستضيئون بها في العثور على طريق آمن يخرجون به بسلام.
في ليبيا اليوم، يبدو الليبيون في أمسّ الحاجة إلى تذكيرهم بحجارة الوادي الثابتة. وإلى تذكيرهم كذلك بأن ما يرونه لامعا طافيًا على سطح هذه السنوات ليس سوى رغوة وقشّ وحصى، ليس من طبيعتها ولا من قدرتها البقاء. إذ مهما بدت لامعة على وجه الماء، فهي زبدٌ لا يُبنى عليه ولا يُتّكأ إليه، سرعان ما يذهب كما جاء.
نعم السيول خطرة. ولا يختلف عاقلان على أنها حين تأتي تكون جارفة ومؤذية حتمًا، وتترك خلفها أثرًا مؤلمًا لا يُنسى. لكنها في النهاية مجرد عارض جوّي ينتهي بانتهاء موسمه. لذلك السبب قيل: “الصيتْ أطول من العمر”، والعبرة بالخواتيم. أفضل الخواتيم ليس ما تأتي به السيول وتأخذه معها، بل ما كان قبلها، ويظل بعدها، ثابتًا صامدًا في مكانه. وهو ما يستحق الرهان عليه.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية