عندما تُبنى كليات الطب على الغلط ( تخفيفا ) من يجرؤ على علاج المريض؟ ليست كل كلية طب تُخرّج طبيبًا وليست كل مستشفى تُنقذ إنسانًا.
هناك فرق شاسع بين مباني تحمل لافتة كلية طب، وبين منظومة حقيقية تُصنع فيها العقول وتُصان فيها الأرواح. الفرق ليس في الاسم إنما في الفلسفة التي بُنيت عليها، وفي المعايير التي التزمت بها، وفي الجرأة على مواجهة الحقيقة أن الطب ليس مهنة إنما مسؤولية وجود. في زمن اختلطت فيه المعايير، وبات من السهل إنشاء كلية طب، ومن الأسهل افتتاح مستشفى،
لكن الأصعب والمستحيل أن تُنشئ طبيبًا حكيمًا داخل منظومة هشة ومشوهة قائمة على الترقيع والتلفيق. الحقيقة القاسية التي يهرب منها الجميع هي أن التعليم الطبي ليس مجرد مناهج تُدرس، ولا ساعات تُحتسب إنما هو نظام متكامل يبدأ من أستاذ أكاديمي متفرغ يعيش للعلم، ويمر عبر مستشفى جامعي حقيقي يتبع لكلية الطب، وينتهي بطبيب قادر على اتخاذ قرار قد يُنقذ حياة أو ينهيها.
المستشفى الجامعي ليس مستشفى عادي وطلبة. هذه جريمة علمية قبل أن تكون خطأً إداريًا. المستشفى الجامعي هو مدينة طبية متكاملة تُدار بعقل أكاديمي، وتعمل بمنطق البحث، وتُمارس فيها المهنة تحت رقابة العلم. هو المكان الذي تُولد فيه الخبرة، وتُختبر فيه النظريات وتُصنع فيه القرارات.
وأي مستشفى أقل من هذا في السعة أو التخصص أو الكوادر ليس بيئة تعليم إنه بيئة تضليل. كيف يمكن لطالب أن يتعلم طب الأورام دون مركز أورام متكامل؟ داخل المستشفى الجامعي، وكيف يتقن جراحة القلب دون غرف عمليات متقدمة ومتخصصة؟ بمستشفى جامعي متكامل، وكيف يفهم الطب الحديث دون أن يرى الذكاء الاصطناعي أو الطب الجيني أو التقنيات التداخلية؟ والجواب واضح لا يمكن.
وكل من يقول غير ذلك يشارك بشكل مباشر أو غير مباشر في إنتاج طبيب لم يتحصل على تعليم راسخ ولا على تدريب حقيقي. والأخطر من ذلك أن الانهيار لا يقف عند حدود البنية التحتية، انما يمتد إلى جوهر العملية التعليمية نفسها.
حين يصبح عضو هيئة التدريس موظفًا جزئيًا، مشتتًا بين عيادات خاصة وأعمال جانبية، فإننا لا نفقد فقط جودة التعليم إنما نفقد القدوة. والطب بلا قدوة مهنة بلا روح. الطالب لا يتعلم فقط كيف يُشخص المرض إنما يتعلم كيف يكون إنسانًا وحكيما.
فإذا كان من يُدرسه غائبًا أو منهكا أو غير متفرغ أو غير مؤهل فمن أين تأتي الحكمة؟ ثم نأتي إلى الكارثة الكبرى في تضخم أعداد الطلبة دون أي اعتبار للسعة الحقيقية.
وعندما يتكدس عشرات الطلبة حول سرير واحد، لا يحدث تعليم إنما يحدث خداع جماعي. الطب لا يُتعلم بالمشاهدة من بعيد إنما بالممارسة القريبة، وبالخطأ المصحح وبالقرار المسؤول. وكل زيادة غير مدروسة في الأعداد هي في حقيقتها خفض مباشر في جودة الطبيب القادم.
أما البحث العلمي فهو الغائب الأكبر في هذه المأساة. جامعة بلا بحث هي مدرسة متقدمة لا أكثر. وطب بلا بحث هو طب يعيش على ما ينتجه الآخرون لا ما يحتاجه المجتمع. كيف نفهم أمراضنا دون بيانات؟ وكيف نواجه السرطان دون سجلات؟ وكيف نُخطط دون أرقام، النتيجة واضحة منظومة عمياء تُعالج دون أن تفهم وتُنفق دون أن تُقيّم، وتفشل دون أن تعترف.
كل هذا يقودنا إلى سؤال واحد مؤلم لكنه ضروري هل نحن نصنع أطباء أم نصنع خطرًا مؤجلًا، الطبيب غير المؤهل لا يظهر خطره فورًا إنه يتراكم بصمت، في تشخيص خاطئ وفي قرار متردد، وفي إجراء غير محسوب. حتى يتحول هذا الصمت إلى كارثة يدفع ثمنها المريض. وهنا لا يعود الحديث عن تعليم إنما عن حياة وكرامة وحق إنساني أصيل.
إن بناء كلية طب حقيقية ليس مشروعًا تعليميًا إنها مشروع سيادي. وبناء مستشفى جامعي مكتمل ليس رفاهية إنه شرط بقاء. إما أن نلتزم بالمعايير بكل صرامتها أو نعترف بشجاعة أننا نُخرّج أطباء بالمخالفة لما تتطلبه الشروط والمعايير، ونُدير منظومة دون الحد الأدنى من الأمان. الطب لا يحتمل المجاملات. والحياة لا تقبل أنصاف الحلول.
وتبقى الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها أن الطبيب الحكيم لا يُصنع صدفة إنما يُبنى داخل منظومة صادقة مع نفسها. وما لم نُصلح هذه المنظومة من جذورها، سيظل السؤال الأكثر قسوة حاضرًا في كل بيت هل من يعالجنا مؤهل حقًا لإنقاذنا؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية