منصة الصباح
جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية - مكتب تحريات رئيس الجهاز".
الأجهزة الأمنية تكثف ضرباتها ضد شبكات ترويج المخدرات والمؤثرات العقلية في ليبيا (الصور/ جهاز المكافحة ومواقع التواصل)

المخدرات في ليبيا.. عبورٌ واستهلاكٌ مدمّر

الصباح/ تقرير

لم تعد قضية المخدرات في ليبيا مجرد ملف أمني يتعلق بضبط المهربين والمروجين، بل تحولت إلى تحدٍ متعدد الأبعاد يمس الأمن القومي والصحة العامة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي..

كميات من المخدرات المضبوطة..

وتشير الوقائع المُعلنة من الأجهزة الأمنية الليبية، إلى جانب تقارير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة “UNODC”، إلى تنامي نشاط شبكات الجريمة المنظًّمة التي تستغل الموقع الجغرافي لليبيا، واتساع حدودها البرية والبحرية لتهريب المخدرات والمؤثرات العقلية..

كميات من المخدرات المضبوطة..

وخلال العامين الماضيين، أعلنت أجهزة إنفاذ القانون الليبية، وفي مقدمتها جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية ومصلحة الجمارك والنيابة العامة، عشرات الضبطيات التي شملت الكوكايين والحشيش والحبوب المخدرة، إضافة إلى تفكيك شبكات محلية ودولية تعمل في الاتجار بالمخدرات، كما صدرت أحكام بالسجن بحق متورطين في قضايا اتجار بالكوكايين داخل البلاد، في مؤشر على اتساع حجم المواجهة مع هذه الظاهرة..

كميات من المخدرات المضبوطة..

وعلى الصعيد الدولي، أثارت الشحنة الضخمة من الكوكايين التي ضُبطت في إسبانيا خلال هذا العام “2026” جدلاً واسعاً، بعد تداول معلومات إعلامية عن ارتباطها بليبيا..

إلا أن جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية أكد، عقب التواصل مع السلطات الإسبانية، أن التحقيقات لم تثبت وجود علاقة لليبيا أو لأي ميناء ليبي بهذه الشحنة، وهو ما يبرز أهمية التمييز بين المعلومات الأولية والنتائج الرسمية للتحقيقات، وعدم البناء على ادعاءات غير مؤكدة..

أما فيما يتعلق بضبطية “بوليفيا” وغيرها من القضايا الدولية، فإنها تعكس اتساع نشاط شبكات الاتجار العابرة للحدود، وهو ما يفرض على ليبيا تعزيز تعاونها الأمني والقضائي مع الدول والمنظمات الدولية، لملاحقة تلك الشبكات وتجفيف مصادر تمويلها..

ويؤكد تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وهو الأول من نوعه بشأن ديناميكيات الاتجار بالمخدرات في ليبيا وشمال أفريقيا، أن البلاد تقع ضمن مسارات تستخدمها شبكات الجريمة المنظمة في المنطقة، مستفيدة من هشاشة بعض المناطق الحدودية وتداخل طرق التهريب التقليدية مع شبكات الاتجار غير المشروع..

غير أن التقرير لا يُصنّف ليبيا بصورة قاطعة على أنها “دولة عبور” فقط، بل يبين أن أنماط الاتجار والاستهلاك أصبحت أكثر تعقيداً، مع تزايد مؤشرات السوق المحلية للمخدرات..

وتبقى الفئة الأكثر عرضة للخطر هي الشباب، إذ يؤدي انتشار المخدرات إلى ارتفاع معدلات الإدمان، والتسرب من التعليم، والبطالة، والعنف والجريمة، وتفكك الأسر، فضلاً عن استنزاف الطاقات البشرية التي تحتاجها البلاد في مرحلة إعادة البناء والتنمية..

كما ترتبط تجارة المخدرات غالباً بجرائم غسل الأموال والفساد والاتجار بالبشر والأسلحة، ما يجعلها تهديداً يتجاوز الجانب الصحي إلى الأمن والاقتصاد..

اقتصادياً، تفرض تجارة المخدرات أعباءً مباشرة وغير مباشرة على الدولة، من خلال ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وعلاج الإدمان، وزيادة الإنفاق على الأجهزة الأمنية والقضائية، وخسارة الإنتاجية نتيجة خروج المدمنين من سوق العمل، إضافة إلى تنامي الاقتصاد غير المشروع الذي يضرُّ بالاستثمار ويشوه المنافسة الاقتصادية..

وعلى المستوى التشريعي، تمتلك ليبيا إطاراً قانونياً لمكافحة المخدرات، أبرز مرتكزاته القانون رقم “7” لسنة “1990” بشأن المخدرات والمؤثرات العقلية وتعديلاته، إلى جانب قرارات لاحقة لتنظيم جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية وتعزيز اختصاصاته. كما شهدت السنوات الأخيرة إعادة تنظيم الجهاز وإنشاء هياكل متخصصة للعلاج والتأهيل..

ورغم هذه المنظومة القانونية، إلا أن نجاح المواجهة لا يعتمد على العقوبات وحدها، وإنما على سرعة تنفيذ الأحكام، ورفع كفاءة أجهزة التحري، وتعزيز الرقابة على المنافذ، وتطوير التعاون الدولي، وتجفيف منابع التمويل، وملاحقة غسل الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات..

وهنا وجب تفعيل أدوات مكافحة الكسب غير المشروع، وملاحقة الأموال المتحصلة من الأنشطة الإجرامية، بحيث لا تقتصر المحاسبة على ضبط المواد المخدرة، بل تمتد إلى تتبع الثروات غير المشروعة ومصادرتها وفق أحكام القضاء والقوانين النافذة، بما يسهم في حرمان الشبكات الإجرامية من أهم مصادر قوتها المالية..

وختاماً، تبدو معركة ليبيا ضد المخدرات معركة طويلة تتطلب تكاملاً بين الأمن والقضاء والتشريع والتعليم والإعلام والأسرة والمجتمع المدني..

فنجاح الضبطيات الأمنية يمثل خطوة مهمة، لكنه لن يكون كافياً ما لم يُدعَم ببرامج وقائية وتوعوية وعلاجية، وبسياسات تستهدف حماية الشباب وتجفيف منابع الجريمة المنظمة، باعتبار أن الاستثمار في الإنسان هو خط الدفاع الأول عن أمن المجتمع ومستقبله..

شاهد أيضاً

لقطة ليلية تظهر مجموعة من الشاحنات الكبيرة ومركبات النقل الثقيل متوقفة في موقع بناء وتجهيز ترابي، وفي الخلفية تظهر أبراج سكنية حديثة قيد الإنشاء مع رافعة برجية مضاءة.

محطات متنقلة لتعزيز إمدادات الديزل بسوق الجمعة

صالحة هويدي   ​تواصل شركة البريقة لتسويق النفط عمليات تزويد الوقود عبر محطاتها المتنقلة في …