سعاد الفرجاني
في وقت يتزايد فيه إقبال الليبيين على الخبز الأسمر ومنتجات الحبة الكاملة، كشف مركز الرقابة على الأغذية والأدوية، خلال حملات تفتيش على عدد من المخابز، عن استخدام نخالة مجهولة المصدر وغياب ما يثبت أنها مخصصة للاستهلاك الآدمي، فيما شدد الحرس البلدي على ضرورة توافر الأدلة والمستندات التي تثبت صلاحية المواد الخام، ووصفت لجنة متابعة المخابز هذه الممارسات بالغش التجاري، بينما أكد جهاز حماية المستهلك أن احترام حق المستهلك يبدأ بتقديم منتج يطابق ما يُعلن عنه. وتفتح هذه المعطيات تساؤلات حول مدى التزام بعض المخابز بالمواصفات القياسية، ومن يحمي المستهلك من العبارات التسويقية التي قد تخفي حقيقة الرغيف.
الاشتراطات نقطة البداية

وفي هذا السياق،أفاد العضو الاستشاري بلجنة ملوثات الأغذية بالمركز الوطني للمواصفات والمعايير القياسية، ورئيس قسم ضبط الجودة بمركز الرقابة على الأغذية والأدوية (فرع طرابلس)، علي عبدالسيد علي غنيةبأن القضية لا تتعلق بفوائد النخالة ذاتها، بل بمدى مطابقة المادة الخام المستخدمة للاشتراطات الفنية، وإثبات أنها مخصصة للاستهلاك الآدمي.
أكياس بلا هوية
وأوضح عبدالسيد أن فرق التفتيش ضبطت داخل عدد من المخابز أكياساً تحتوي على دقيق خالية تماماً من بطاقة البيان التي توضح طبيعة المنتج أو نوع الاستخدام، كما لم يقدم أصحاب المخابز شهادات مطابقة أو مستندات أو فواتير تثبت أن هذه النخالة منتجة ومخصصة للاستخدام الغذائي.
وأكد أن أي مادة تدخل في تصنيع الأغذية يجب أن تكون معلومة المصدر، وقابلة للتتبع، ومطابقة للمواصفات القياسية، مشدداً على أنه لا يجوز استخدامها في صناعة الغذاء لمجرد أنها ناتجة عن القمح.
مسطرة القانون الصحي
وأشار إلى أن المواصفة القياسية الخاصة بأغلفة حبوب القمح المستخدمة للأغراض الغذائية وضعت اشتراطات فنية وصحية واضحة للنخالة الغذائية؛ حيث حددت أنواعها وتعريفاتها، واشترطت مطابقتها لمتطلبات الجودة والسلامة، وحدود الملوثات والمعادن الثقيلة والسموم الفطرية.
وأضاف أن المواصفة ألزمت المنتجين بوضع بطاقة بيان تتضمن: اسم المنتج، ونوع الاستخدام، واسم المطحن، وبلد المنشأ، والوزن، وتاريخي الإنتاج وانتهاء الصلاحية، بما يضمن إمكانية تتبع المنتج والتحقق من مطابقته، مؤكداً أن غياب هذه البيانات يجعل من المستحيل التأكد من أن النخالة المستخدمة مخصصة للاستهلاك الآدمي.)

الحقيقة وراء الرقم
وذكر عبدالسيد أن المواصفة القياسية الليبية لم تترك الأمر للاجتهاد، بل عرفت خبز النخالة بأنه الخبز المصنع من خليط دقيق القمح والردة (النخالة الناعمة) بنسبة لا تقل عن 50% من خلطة الدقيق الداخلة في صناعة الخبز، كما اشترطت أن تكون جميع المواد الخام مطابقة للمواصفات القياسية الخاصة بها.
وأكد أن مجرد إضافة كمية من النخالة إلى الدقيق الأبيض لا يجعل المنتج خبز نخالة وفق التعريف المعتمد، كما أن اللون البني للرغيف لا يعني بالضرورة أنه خبز قمح كامل.
خداع القشرة الخارجية
وأشار إلى أن فرق التفتيش رصدت قيام بعض المخابز برش كمية من النخالة على سطح العجين أو الرغيف، لإعطاء المنتج مهاراً يوحي بأنه غني بالنخالة أو مصنوع من القمح الكامل.
وأكد أن هذه الممارسة لا تغير من التركيب الحقيقي للمنتج، ولا تحقق الاشتراطات الفنية لخبز النخالة؛ لأن المواصفة تشترط دخول النخالة ضمن مكونات الخلطة بالنسب المحددة، وليس مجرد طبقة ظاهرية تمنح الرغيف مسميات تسويقية.
مصطلحات خارج الصندوق

وأضاف عبدالسيد أن بعض المخابز تستخدم مسميات مثل «خبز الطعام»، وهي تسمية توحي للمستهلك بأنه منتج مختلف أو أكثر جودة، في حين لا يوجد في المواصفات القياسية الليبية تصنيف يحمل هذا الاسم.
وأوضح أن كلمة «الطعام» في الاستعمال الشعبي هي مرادف لكلمة القمح، ولا تعني وجود خصائص غذائية إضافية، وبالتالي فإن استخدام هذه التسمية لا يمنح المنتج أي صفة فنية أو صحية ما لم يكن مطابقاً لتعريفات المواصفات القياسية.
ما وراء الألوان
وأكد أن اللون البني، أو وجود النخالة على سطح الرغيف، أو استخدام عبارات مثل «خبز صحي»، «غني بالألياف»، أو «خبز للحمية»، لا يكفي لإثبات جودة المنتج أو مطابقته للمواصفات ما لم يكن ذلك مدعوماً بتركيب غذائي مطابق، ومكونات معروفة المصدر، ووثائق تثبت مطابقتها.
وأضاف أن حماية المستهلك لا تقوم على المظهر أو العبارات التسويقية، وإنما على مطابقة المنتج للمواصفات القياسية، وصحة البيانات المدونة عليه، وإمكانية تتبع المواد الخام كافة.
جرس إنذار رقابي
ودعا عبدالسيد إلى تكثيف الرقابة على المخابز، والتأكد من مصادر النخالة المستخدمة، وإلزام المنشآت بالاحتفاظ بالمستندات كافة التي تثبت أن المواد الخام مخصصة للاستهلاك الآدمي ومطابقة للمواصفات القياسية.
كما دعا إلى عدم استخدام أي مسميات أو ادعاءات قد توهم المستهلك بخصائص غذائية لا تتوافر فعلياً في المنتج، مؤكداً أن الهدف ليس الحد من إنتاج الخبز الصحي، وإنما ضمان مطابقة ما يعرض للمواصفات، وأن تعكس تسمية المنتج مكوناته الحقيقية.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن حماية المستهلك تبدأ من المادة الخام، وأن النخالة المستخدمة في صناعة الخبز يجب أن تكون معلومة المصدر، ومخصصة للاستخدام الغذائي، ومطابقة للمواصفات القياسية؛ لأن جودة المنتج النهائي لا يمكن أن تتجاوز جودة المكونات التي صُنع منها.
خدعة اللون البني

ويرى رئيس مجلس إدارة منظمة الرقيب لحماية المستهلك وائل الصغير أن الممارسات المتعلقة بتسويق الخبز على أنه “صحي” أو من الحبوب الكاملة تُعد شكلاً من أشكال الغش التجاري والتضليل، إذ تلجأ بعض الجهات إلى استخدام الملونات أو إضافة كميات محدودة من النخالة أو الحبوب لإعطاء الخبز مظهراً يوحي بأنه من الحبوب الكاملة، دون أن يعكس ذلك مكوناته الفعلية. وأوضح أن هذه الأساليب تحرم المستهلك من حقه في الاختيار الواعي، وتمسّ بشكل خاص الفئات التي تعتمد على هذا النوع من الخبز لأسباب صحية، كمرضى السكري وأصحاب الأنظمة الغذائية الخاصة.
الشفافية حق أصيل
وأكد الصغير أن للمستهلك الحق في معلومات صحيحة وواضحة عن المنتج، وفي شراء سلعة مطابقة لما هو معلن عنه، إضافة إلى حقه في الحماية من أي بيانات مضللة على الملصقات أو في الإعلانات. وأشار إلى أنه عند ثبوت عدم المطابقة او وجود ادعاءات غير صحيحة يحق للمستهلك التقدم بشكوى للجهات الرقابية المختصة لاتخاذ الاجراءات القانونية بحق المخالفين
عقوبات رادعة
ودعا إلى تشديد الرقابة على المخابز والمنشآت الغذائية، وإجراء تحاليل مخبرية دورية للتأكد من مطابقة المنتجات، وإلزام المنتجين ببيانات دقيقة عن المكونات والقيم الغذائية. كما شدد على ضرورة تطبيق عقوبات رادعة بحق المخالفين، وتعزيز التنسيق بين الجهات الرقابية والمختبرات المعتمدة، مع تكثيف حملات التوعية التي تمكّن المستهلك من التمييز بين المنتجات الحقيقية وتلك المسوَّقة بطرق مضللة، بما يعزز الثقة في السوق ويحمي الصحة العامة.
تمويه تجاري

و أكد مدير ادارة متابعة المخابز علي أبو عزة أن استخدام “الكاكاو” لإضفاء لون داكن على الخبز وتسويقه على أنه “خبز الحبة الكاملة” يعد غشًا تجاريًا مرفوضًا، محذرًا من أن مثل هذه الممارسات قد تسيء إلى هذا المنتج وتفقد المستهلك الثقة فيه.
وكشف في هذا الصدد أن استخدام الكاكاو في صناعة الخبز ليس مستحدثًا، إذ درجت عديد المخابز على استخدامه بوصفه منكهًا، إلا أن خلطه بالخبز وتسويقه على أنه خبز حبة كاملة يمثل مخالفة تستوجب المساءلة.)
المساءلة القضائية
وقال أبوعزة إن الجهات الضبطية لا تكتفي بإثبات المخالفة في مثل هذه الحالات، بل تُحيل الملفات إلى النيابة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، موضحًا أن العقوبات تختلف بحسب طبيعة المخالفة وحجم الضرر المترتب عليها، وقد تصل إلى إغلاق المخبز إذا ثبت تعمد الإضرار بصحة المستهلك أو ممارسة الغش التجاري، إضافة إلى المساءلة القضائية وفقًا لما تقرره الجهات المختصة.
غش “غريب”
وأبدى أبو عزة استغرابه من لجوء بعض المخابز إلى استخدام الكاكاو في هذا النوع من الغش، نظرًا لارتفاع سعره، مرجعًا ذلك إلى اعتبارات تسويقية أكثر منها اقتصادية، معربًا في الوقت ذاته عن خشيته من أن يؤدي ذلك إلى فقدان المستهلكين الثقة في خبز الحبة الكاملة.
خبز الحبة الكاملة
وأشار إلى أن خبز الحبة الكاملة يعد منتجًا حديث الانتشار نسبيًا في ليبيا، مشيدًا بتزايد الإقبال عليه لما يتمتع به من قيمة غذائية مرتفعة، إذ تُعد النخالة مكونًا رئيسًا فيه، وتمنحه فوائد صحية تفوق الخبز الأبيض المصنوع من الدقيق المكرر. وأضاف أن التوسع في إنتاج هذا النوع من الخبز يعكس توجهًا صحيًا يسهم في تعزيز القيمة الغذائية للغذاء اليومي.
الاستفادة من النخالة

ودعا أبو عزة إلى الاستفادة من التجربة التونسية في تقليل فصل النخالة عن الدقيق، باعتبارها تمثل نحو 16% من حبة القمح وتتمتع بقيمة غذائية مرتفعة، مطالبًا ديوان الحبوب بتوجيه المطاحن إلى الإبقاء على النخالة والتأكيد على صلاحيتها للاستهلاك البشري، بعد استشارة الجهات المختصة.
الابتعاد عن “الترند”
كما دعا إلى تبني حلول مستدامة للمشكلات التي تواجه قطاع المخابز، تستند إلى الضوابط المهنية بدلًا من التعامل معها بمنطق “الترند”، مؤكدًا أن الجهات المختصة بالرقابة على الأغذية مطالبة بإجراء التحاليل المخبرية اللازمة قبل الإعلان عن أي مخالفات، للتأكد من مطابقة المنتجات للمواصفات القياسية.
وشدد على أن القضايا المرتبطة بالأمن الغذائي يجب أن يتولاها مختصون في التغذية وسلامة الغذاء، وأن تُدار استنادًا إلى النتائج العلمية، بما يحول دون الإضرار بقطاع المخابز أو التأثير في ثقة المستهلك بالخبز المحلي.
تراجع دور لجنة المخابز
وفي سياق متصل، أعرب أبو عزة عن أسفه لما وصفه بتراجع الضوابط المنظمة لعمل المخابز نتيجة تهميش لجنة متابعة المخابز، موضحًا أن اللجنة كانت تضطلع بمتابعة الجوانب الفنية والصحية، والتأكد من جودة المواد الداخلة في صناعة الخبز، إلى جانب مراقبة جودة المنتج النهائي بصورة مستمرة.
وأضاف أن اللجنة كانت تخاطب الجهات المختصة مباشرة عند رصد أي مواد لا تتوافق مع المواصفات المطلوبة، حفاظًا على جودة الرغيف، كما تقدمت في مناسبات عدة بشكاوى ضد شركات توريد الدقيق، من بينها شركات كانت تتعامل مع صندوق موازنة الأسعار (المؤسسة الوطنية للسلع التموينية)، عند رصد اختلالات تتعلق بصناعة الخبز.
برومات البوتاسيوم
واستشهد أبوعزة بما أثير سابقًا بشأن احتواء الخبز على مادة برومات البوتاسيوم، موضحًا أن اللجنة بادرت آنذاك إلى مخاطبة المجلس الرئاسي، واستدعاء الجهات المختصة، والمطالبة بفتح تحقيق في الأمر.
كما أشار إلى أن لجنة متابعة المخابز كانت تطبق إجراءات صارمة عند منح التراخيص، معتبرًا أن الواقع الحالي يفتقر إلى كثير من الضوابط التي كانت معمولًا بها.
واختتم “علي أبوعزة” حديثه بالتأكيد على أهمية نشر الوعي الغذائي عبر وسائل الإعلام، معتبرًا أن ذلك يمثل حجر الزاوية في إحداث تغيير حقيقي في سلوك المستهلك وتعزيز ثقافة الغذاء الصحي.
مخالفات تحت المجهر

أكد المتحدث باسم جهاز الحرس البلدي، محمد الناعم، أن الجولات اليومية التي ينفذها رجال الحرس البلدي تكشف باستمرار عن مخالفات داخل عدد من المخابز، تشمل استخدام مواد أولية مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية، وعدم الالتزام بالنظافة العامة، وسوء حالة المعدات، وعدم ارتداء العاملين للملابس الصحية، إلى جانب عرض الخبز بطرق قد تعرضه للتلوث.
وأضاف أن فرق التفتيش ترصد كذلك مخالفات تتعلق بعدم مطابقة المنتج لما يتم الإعلان عنه أو بيعه للمستهلك، مؤكداً اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين وفق القوانين النافذة.
لا إدانة بلا دليل
وأوضح الناعم أن حملات التفتيش رصدت حالات اشتباه في ممارسات قد تهدف إلى تضليل المستهلك، من بينها الترويج للخبز على أنه مصنوع من القمح الكامل أو يتمتع بجودة أعلى من حقيقته.
وشدد على أن جهاز الحرس البلدي لا يجزم بوجود الغش في مثل هذه الحالات، إلا بعد سحب العينات وإحالتها إلى الجهات الفنية المختصة لإجراء التحاليل اللازمة، وإثبات المخالفة وفق الإجراءات القانونية.
من الضبط إلى النيابة
وأشار الناعم إلى أنه عند ثبوت ارتكاب أي مخبز غشاً تجارياً أو تضليلاً للمستهلك، يحرر رجال الحرس البلدي محضر ضبط، مع التحفظ على المواد المخالفة عند الحاجة، واتخاذ الإجراءات القانونية وإحالة الواقعة إلى النيابة المختصة.
ولفت إلى أن العقوبات قد تصل إلى إقفال النشاط مؤقتاً أو اتخاذ أي إجراء آخر وفقاً للقوانين النافذة، بما يضمن حماية صحة المستهلك ومنع استمرار المخالفة.
الفيصل في المختبر
وأكد الناعم أن أي شبهة تتعلق بمكونات الخبز أو مدى مطابقته للمواصفات تُحسم عبر الفحوصات المخبرية، إذ يقوم رجال الحرس البلدي بسحب العينات وفق الإجراءات القانونية وإحالتها إلى الجهات الفنية المختصة، مثل مركز الرقابة على الأغذية والأدوية أو المختبرات المعتمدة.
وأوضح أن التقرير الفني الصادر عن هذه الجهات يُعد المرجع الأساسي لاستكمال الإجراءات القانونية وإثبات المخالفة حال ثبوتها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية