منصة الصباح
المبيدات الزراعية: بين حملات المصادرة واحتياج الفلاح
المبيدات الزراعية: بين حملات المصادرة واحتياج الفلاح

المبيدات الزراعية: بين حملات المصادرة واحتياج الفلاح

الصباح/ تقرير

في خطوة وُصفت بأنها الأجرأ لحماية الأمن القومي الغذائي والصحي في ليبيا، يقود مكتب النائب العام حملةً وطنيةً مكثفة وغير مسبوقة، استهدفت الشركات والمحال التجارية المتخصّصة في توريد وبيع المستلزمات والمبيدات الزراعية..

الحملة التي انطلقت بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والرقابية، أسفرت حتى الآن عن مصادرة كميات ضخمة من المبيدات المحظورة دولياً والمنتهية الصلاحية، والتي تحتوي على مركبات كيميائية مسرطنة شديدة الخطورة على المستهلك والتربة..

غير أن هذه الضربة القوية لشبكات الفساد الخفي، رافقها ارتدادات عكسية حادة في السوق المحلي؛ حيث أثار التحرك الصارم حالة من الذعر والهلع بين التجار، ما دفع العشرات من الشركات والمحال إلى إغلاق أبوابها خوفاً من الملاحقة القانونية أو لمراجعة مخزونها، وهو ما أحدث شللاً شبه تام في حركة توفير الأدوية الزراعية، ودفع بالمزارع الليبي إلى خط المواجهة الخاسرة..

المزارعون هم الخاسرون

مع جفاف قنوات التوريد وإغلاق المحال، وجد المزارعون أنفسهم بلا سلاح في مواجهة الآفات الزراعية، حيث تنقل صفحات ومواقع التواصل الاجتماعي بالصوت والصورة صرخات المزارعين من مختلف المناطق الزراعية، جرَّاء تلف محاصيلهم نتيجة نقص الأدوية والمبيدات المسموح بها والآمنة..

وعبَّر أحد المزارعين المتضررين عن حجم المأساة التي لحقت بموسمه الزراعي قائلاً:

“نواجه كارثة حقيقية؛ محصول الطماطم الذي قضيت أشهراً في رعايته يتآكل ويتضرر بالكامل أمام عيني نتيجة صعوبة توفير المبيدات الزراعية عقب إغلاق المتاجر المختصة ببيعها. نطالب الجهات المعنية بالتدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتعويضنا عن الخسائر الفادحة التي لحقت بمزارعنا جراء هذا التوقف المفاجئ للإمدادات.”..

أسسٌ علمية لتنفيذ الحملة

أمام المخاوف من العشوائية في التنفيذ، أكدت منشورات الصفحة الرسمية لمكتب النائب العام، أن الحملة لم تكن مجرد تحرك أمني، بل جرت بمشاركة فعلية ومباشرة من اختصاصيين وخبراء في الأدوية والمبيدات الزراعية ومهندسين تابعين لوزارة الزراعة..

وقد تولى هؤلاء الخبراء فرز المضبوطات بدقة، وتمييز المواد المحظورة “مثل المركبات الفوسفورية العضوية المقيدة أو الممنوعة تداولها وفقاً لقرارات منظمة الصحة العالمية والاتفاقيات الدولية”، عن تلك المسموح بها والآمنة..

وأن الإجراءات القانونية والمصادرات لم تستهدف إلا الشحنات والمخازن التي ثبت تورطها في تداول سموم منتهية الصلاحية، أو غير مطابقة للمواصفات القياسية الليبية..
من المسؤول..؟

التساؤل الأبرز الذي يطرحه الشارع الليبي اليوم: كيف دخلت هذه السموم إلى البلاد؟

وفقاً للبيانات الأولية الصادرة عن التحقيقات، فإن مكتب النائب العام فتح ملفاً موسعاً لمتابعة مصادر هذه المبيدات وتحديد الهويات القانونية للشركات والأفراد الذين قاموا باستيرادها.. وتتركز التحقيقاتحالياً حول عدة نقاط مفصلية:
– الاعتمادات المصرفية:  فحص منظومة الاعتمادات بمصرف ليبيا المركزي، لمعرفة ما إذا كانت هذه الشحنات قد مُولت عبر اعتمادات رسمية مخصصة لدعم القطاع الزراعي، ومطابقة قيمتها المالية بما دخل فعلياً..

– الموافقات الوزارية: التدقيق في تصاريح الاستيراد الصادرة عن وزارتي الاقتصاد والزراعة، لبيان ما إذا كان هناك تزوير في المستندات أو تواطؤ في منح أذونات لشركات وهمية..

– مركز الرقابة على الأغذية والأدوية:  البحث في مدى حصول هذه الشحنات على شهادات الإفراج الصحي والرقابي، وهل تم أخذ عينات مخبرية حقيقية منها عند وصولها للمنافذ أم جرى تمريرها دون فحص..

– مسؤولية مصلحة الجمارك: يواجه قطاع الجمارك بالمنافذ البحرية والبرية تساؤلات حول دور التسهيلات أو القصور في التفتيش، الذي سمح بعبور هذه الحاويات المملوءة بالمواد المحظورة والمغشوشة إلى داخل السوق الليبي..
توازن محاربة الفساد ودعم الفلاح

من واقع قراءة المشهد، فإن حماية صحة المواطن الليبي وتنظيف السوق من المبيدات المسرطنة والمحظورة هي معركة وجودية لا تقبل التراجع، وقرار النائب العام جاء في وقته لإنهاء سنوات من الفوضى العارمة في هذا القطاع الحساس..

ولكن، لضمان عدم انهيار القطاع الزراعي المحتضر أساساً، بات من الضروري على وزارتي الزراعة والاقتصاد التدخل الفوري عبر خطة طوارئ بديلة؛ تتضمن فتح منافذ توزيع رسمية وخاضعة للرقابة لبيع المبيدات والأدوية الآمنة المسموح بها للمزارعين بأسعار مناسبة، حتى لا يدفع الفلاح البسيط والأمن الغذائي لليبيا ثمن فاتورة صراع الدولة ضد بارونات التهريب والفساد الكيميائي..

شاهد أيضاً

إعلاندعوة اجتماع الجمعية العمومية العادية وغير العادية (شركة البركة للتأمين)

إعلان دعوة اجتماع الجمعية العمومية العادية وغير العادية (شركة البركة للتأمين)

إعلان،،