خلود الفلاح
تكتسب دراسة الأدب الليبي من منظور غربي أهمية استثنائية، خاصة عندما تأتي من الضفة الأخرى للمتوسط؛ حيث تشابكت خيوط التاريخ مع ليبيا في محطات مفصلية. ومن هذا المنطلق، تُبحر الباحثة والمستعربة إلفيرا ديانا منذ عقود في تفاصيل السرد الليبي، متتبعةً تحولاته المختلفة بشغف واهتمام بالغين.
وفي هذا الحوار، تفتح ديانا دفاتر قراءاتها العميقة للنثر الليبي، وتفكك المفاهيم المحورية التي شكلت هويته كـ (الرقابة، والمقاومة، والذاكرة)، مستعرضة تطور صورة “الإيطالي” في المخيلة الأدبية الليبية، وكيف نجح هذا الأدب في تفكيك نمطية المستعمر لتقديم أبعاد إنسانية معقدة، وصولاً إلى حديثها عن مشروعها الحالي لإعادة نشر ترجمتها لرواية “من مكة إلى هنا” للأديب الراحل الصادق النيهوم.
صدر لها: الأدب النثري في ليبيا: الرقابة والمقاومة والذاكرة من الحقبة الاستعمارية إلى يومنا هذا (2026). صورة الإيطاليين في الأدب الليبي من الحقبة الاستعمارية إلى سقوط القذافي (2011). الأدب الليبي: من الحقبة الاستعمارية إلى أيامنا هذه (2008).

ـ من خلال مسيرتك الطويلة في دراسة الرواية والقصة في ليبيا، ما الذي يمنح السرد الليبي خصوصيته الفريدة مقارنة ببقية التجارب الروائية في العالم العربي؟
ـ لكل أدب في البلدان العربية خصوصيته المميّزة، لأنه يعكس الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية المختلفة التي شكلت كل سياق وطني على حدة. فالسرد الليبي، على سبيل المثال، تأثّر بتجارب تاريخية خاصة، مثل الاستعمار الإيطالي، ومرحلة المملكة، والفترة الطويلة التي حكم فيها معمر القذافي، وهي تجارب تركت أثرا عميقا في موضوعات الكتابة وأشكالها.
إلى جانب ذلك، يتميّز الأدب النثري الليبي بهوية محددة المعالم؛ فهي من جهة استفادت من النماذج الأدبية التي نشأت في البلدان التي كانت مهد النهضة العربية، ولا سيما مصر، ومن جهة أخرى استمدّت الكثير من عناصرها من جذورها المحلية، ومن المجتمع القبلي وقيمه، ومن الموروث الشعبي والتقاليد الشفوية. وهذا ما منح السرد الليبي طابعه الخاص ضمن المشهد الأدبي العربي.
ـ في كتابك (الأدب النثري في ليبيا) اخترت ثلاثة مفاهيم محورية: الرقابة، والمقاومة، والذاكرة. كيف تشابكت هذه العناصر الثلاثة في صياغة هوية النثر الليبي عبر المحطات التاريخية المختلفة؟
ـ خلال القرن العشرين عرفت ليبيا أشكالا مختلفة من الحكم، كما ذكرت سابقا، ولكن لم يضمن أي منها بشكل كامل حقوق المواطنين الليبيين. ولهذا السبب تعد الرقابة والمقاومة والذاكرة ثلاثة عناصر أساسية رافقت التاريخ الثقافي والأدبي لليبيا. ففي ظل الاحتلال الإيطالي، على سبيل المثال، كانت الرقابة شديدة وواسعة النطاق، فقد منع تداول كثير من الكتب، ولا سيما الكتب المصرية، خشية أن تنشر أفكارا تقدمية، كما ألغيت الصحافة المحلية وحلت محلها الصحافة الإيطالية. أما المقاومة فقد تجلت آنذاك بصورة خاصة في الشعر، كما نرى في أعمال الشعراء المجاهدين، مثل سليمان الباروني وأحمد الشارف وأحمد قنابة وأحمد الفقيه حسن و غيرهم. ومع الاستقلال وتطور القصة القصيرة والرواية، أصبحت الذاكرة أداة أساسية لإعادة قراءة تاريخ الوجود الإيطالي في ليبيا من وجهة نظر ليبية كانت غائبة تماما من قبل. وخلال حكم معمر القذافي، استمرت الرقابة في استهداف الكتاب والصحفيين والمثقفين غير الموالين للنظام ، وتعرض كثير منهم للاعتقال. بعد عام 2011، ظهرت روايات عديدة أعادت استحضار ذاكرة حقبة القذافي، وقدمت قراءة جديدة لتلك السنوات، كما برز أيضا
“أدب مذكرات السجن“ كما نرى في مجموعة القصص “سِجنيات“ لعمر أبو القاسم الككلي. وبهذا المعنى، لا تمثل الرقابة والمقاومة والذاكرة مجرد موضوعات متكررة في الأدب الليبي، بل هي عناصر أساسية ساهمت في تشكيل هويته، وأثرت في مضامينه وأشكاله التعبيرية.
ـ من خلال تتبعك لتطور النثر الليبي وصولا إلى اللحظة الراهنة ما الذي يميز النبرة السردية“ للروائية الليبية وكيف استطاعت تطويع تقنيات الرواية لطرح قضايا حساسة تتعلق بواقع المرأة والتحولات المعقدة التي عاشتها البلاد؟
ـ في رأيي، شهد السرد النسائي الليبي مسارا ملحوظا من النضج منذ سبعينيات القرن الماضي، حين كانت الرائدات، مثل شريفة القيادي ولطفية القبائلي ومرضية النعاس ونادرة العويتي وفوزية الشلابي، يركزن اهتمامهن بشكل أساسي على عالم المرأة، فيكتبن عن الزواج ودور المرأة في الأسرة بوصفها ابنة وأختا وزوجة وأما. ومع مرور الزمن، تحررت الكتابة النسائية تدريجيا من هذا الإطار الخاص، وانفتحت على القضايا الاجتماعية والتاريخية والسياسية الكبرى التي شهدتها ليبيا، كما انفتحت على قضايا ذات بعد دولي أوسع. وتكمن خصوصية الصوت السردي النسائي الليبي في قدرته على الربط بين التجربة الفردية والتجربة الجماعية، وجعل واقع المرأة منظورا مهما لفهم التحولات في المجتمع الليبي، وكذلك بعض القضايا ذات الطابع الدولي. وقد استعانت الروائيات الليبيات بتقنيات سردية متنوعة، منها إعادة بناء التاريخ، واستحضار الذاكرة، والرمز، والمزج بين الواقع والتخييل. وفي الألفية الجديدة، وظفت كثير من الروائِيات الليبيات، من أجيال مختلفة، مثل رزان نعيم المغربي، ونجوى بن شتوان، وفاطمة سالم الحاجي، ومحبوبة خليفة، ووفاء البوعيشي، وعزة المقهور، وكوثر الجهمي، ونهلة العربي وأخريات، هذه التقنيات السردية في أعمالهن، سواء في الرواية أو في القصة القصيرة. وقد تناولت هذه الأعمال موضوعات متنوعة، تمتد من الذاكرة التاريخية إلى الهجرة والهوية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها ليبيا، فضلا عن قضايا إنسانية ذات أبعاد كونية أوسع.

وهذا كله لا يعني أن قضية المرأة قد اختفت، بل أصبحت اليوم جزءا من رؤية أوسع تتناول الديناميات الاجتماعية والسياسية والثقافية في البلاد. وتساهم الكثير من الكاتبات الليبيات اليوم، شأنهن شأن الكتاب الرجال، في فهم التحولات العميقة التي يعيشها المجتمع الليبي، كما يتناولن قضايا ذات أبعاد عالمية أرحب.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية