تقرير أ.طارق السنوسي
عادةً ما يخلط زوار مدينة لبدة الكبرى الأثرية، وتحديدًا عند الميدان السيفيري، بين رؤوسٍ نحتية بارزة يظنون أنها جميعها تمثل الكائن الأسطوري (ميدوسا)، إحدى (الغورغونات) الشهيرة في الميثولوجيا الإغريقية، بينما تكشف الدراسات الأثرية أن المشهد الزخرفي أكثر تنوعًا وثراءً مما يبدو للوهلة الأولى.
ففي هذا الموقع الفريد، لا تقتصر الزخارف على (ميدوسا) وحدها، بل تتجاور معها (النيريديس)، أو حوريات البحر، ضمن برنامج فني متكامل يعكس عمق الرمزية في العمارة الرومانية خلال العصر (السيفيري).

تعد (الغورغونات)، وفي مقدمتها (ميدوسا)، من أشهر الشخصيات في الأساطير الإغريقية، وهي ثلاث شقيقات: (ميدوسا، ستينو، يوريالي)، وقد ارتبطت (ميدوسا) تحديدًا بصورة شعر من الأفاعي ونظرة قاتلة قادرة – بحسب الأسطورة – على تحويل من يواجهها إلى حجر، قبل أن ينجح البطل (برسيوس) في القضاء عليها.
ورغم هذه الصورة المخيفة، تحولت (ميدوسا) في الفن الروماني إلى رمز وقائي، إذ شاع استخدام رأسها المعروف باسم (الغورغونيون) كعنصر زخرفي يعتقد أنه يطرد الشر ويحمي المباني من الأرواح المؤذية والحسد، ولذلك انتشرت صورتها على المعابد والبوابات والدروع والمنشآت العامة.
في المقابل، تظهر (النيريديس)، كعنصر فني مختلف تمامًا، وهن حوريات البحر في الأساطير الإغريقية، بنات الإله البحري (نيريوس) في الميثولوجيا القديمة، ويمثلن رمزًا للمياه والخصب والهدوء وجمال الطبيعة، وكان البحارة قديمًا يستحضرونهن كرمز للحماية وسلامة الملاحة.

وفي الميدان السيفيري بمدينة لبدة الكبرى، تتوزع رؤوس (الغورغونات) و(النيريدات) داخل ميداليات رخامية تزين الطابق الثاني من أروقة الساحة، في تركيب بصري دقيق يجمع بين رمزين متقابلين: الحماية والقوة من جهة، والبحر والرخاء من جهة أخرى.
هذا التناوب لم يكن عشوائيًا، بل يعكس هوية المدينة التاريخية كأحد أهم موانئ البحر المتوسط، حيث أراد المعماريون إبراز علاقتها الوثيقة بالبحر، وفي الوقت نفسه إضفاء طابع رمزي يحمي الفضاء العام وفق المعتقدات السائدة آنذاك.
وتظهر رؤوس (النيريدات) بملامح هادئة وشعر متموج ينتهي أحيانًا بزخارف تشبه الدلافين، في إشارة مباشرة إلى عالم البحر، بينما تتميز رؤوس (الغورغونات) بملامح أكثر صرامة وقوة، تؤدي وظيفة رمزية تتعلق بالحماية وطرد الشر.
واللافت أن رأس (ميدوسا) في لبدة الكبرى لا يحمل دائمًا السمات المرعبة التي عرفتها الأساطير الإغريقية المبكرة، بل يظهر في كثير من الأحيان بأسلوب فني رصين وهادئ، يعكس تطور الذوق الجمالي في الفن الروماني، حيث تحولت الشخصية الأسطورية من رمز للرعب إلى عنصر زخرفي راقٍ.
ويرى باحثون في الآثار أن هذا التنوع في الزخارف داخل الميدان (السيفيري) يعكس رؤية الإمبراطور (سبتيميوس سيفيروس)، ابن المدينة، الذي سعى إلى جعل لبدة الكبرى تحفة معمارية تضاهي كبرى مدن الإمبراطورية الرومانية، من خلال توظيف عناصر فنية تجمع بين الأسطورة والوظيفة الرمزية والجمال المعماري.
وبينما يظن كثير من الزوار أن جميع الرؤوس تمثل (ميدوسا)، تكشف تفاصيل النحت الدقيق أن ما يشاهدونه هو حوار بصري بين عالمين أسطوريين: عالم البحر الذي تمثله (النيريدات)، وعالم الحماية الذي تجسده (الغورغونات)، في مشهد يجعل من (الميدان السيفيري) أحد أروع الشواهد على تداخل الأسطورة بالفن في لبدة الكبرى.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية