منصة الصباح
ثمار نبات السلفيوم على شكل قلوب مقلوبة كما ظهرت على عملات قورينا
نبات السلفيوم المفقود

لغز السلفيوم بين الذهب المفقود والبعث البيولوجي

في الوقت الذي اعتقد فيه الجميع أن الفصل الأخير من قصة “السلفيوم” قد كتب منذ ألفي عام، فجر البروفيسور “محمود ميسكي” من جامعة إسطنبول مفاجأة علمية مدوية هزت أركان مجتمع علم النبات الدولي.

فخلال أبحاثه الميدانية في منطقة كبادوكيا التركية، وتحديداً حول السفوح البركانية لجبل حسن، عثر ميسكي على جيوب برية لنبات نادر جداً من عائلة الفجل العملاق يُدعى “Ferula drudeana”.

لم يكن هذا العثور عادياً؛ إذ تطابقت الخصائص المورفولوجية لهذا النبات مع الأوصاف التاريخية الدقيقة للسلفيوم الليبي القديم بشكل يثير الذهول.

يمتلك النبات جذراً سميكاً متفرعاً، ونورات زهرية صفراء، وثماراً تتخذ شكل “القلوب المقلوبة” تماماً كتلك المطبوعة على المسكوكات الإغريقية القديمة في برقة.

والأهم من ذلك، كشفت التحاليل المخبرية لراتنج (صمغ) النبات التركي عن وجود أكثر من 30 مركباً أيضياً ثانوياً يتمتع بخصائص مضادة للسرطان، ومضادة للالتهابات، فصلاً عن مركبات نشطة هرمونياً تعمل كموانع طبيعية للحمل، مما أعاد فتح ملف “النبات المعجزة” على طاولة العلم الحديث، وطرح فرضية مثيرة:

هل نقل التجار الإغريق البذور قديماً وزرعوها في الأناضول لتنجو من الانقراض؟

السلفيوم: حقيقة بيولوجية أم وهم أسطوري؟

بين الحقيقة والأسطورة، يقف “السلفيوم” كأحد أكثر النباتات إثارة للجدل في التاريخ الإنساني. هل كان مجرد وهم جماعي صاغه خيال القدماء، أم حقيقة علمية؟ الإجابة الحاسمة هي أنه حقيقة بيولوجية غائبة وليس أسطورة ميثولوجية.

لقد كان السلفيوم نباتاً حقيقياً ينمو حصرياً في شريط بيئي فريد وضيق يمتد لنحو 200 كيلومتر على الهضاب شبه الجافة للجبل الأخضر في شرق ليبيا.

غير أن الهالة المحيطة بقدراته الطبية والشفائية اللامحدودة، وعجزه عن النمو في أي مكان آخر خارج موطنه الأصلي، هو ما صبغ سيرته بصبغة أسطورية تداخل فيها الواقع بالعجائبي. إنه جدل مستمر بين عقلانية العلم التي تؤكد وجوده التاريخي، وبين الشغف الإنساني الذي رفعه إلى مصاف الأساطير الخالدة.

الحفريات والشواهد: نقوش العملة وأساطير التأسيس

تتجاوز الأدلة على وجود السلفيوم التواتر الشفهي إلى شواهد أثرية وحفرية صلبة ومحكمة. وتؤكد الدراسات الأثرية المعاصرة، ومنها أبحاث الباحث الليبي محمد عمر عبد ربه، أن السلفيوم كان “الركيزة السيادية” لمدينة قورينا الإغريقية (شحات الحالية)؛ حيث صكت المدينة صورته على عملاتها الفضية والذهبية كشعار رسمي، وظهرت النساء في تلك النقوش وهن يلمسن النبتة في إشارة لفوائدها الطبية النسائية.

لغز السلفيوم بين الذهب المفقود والبعث البيولوجي

وقد وثقت الآداب القديمة أساطير مذهلة حول نشأة هذا النبات؛ إذ ذكر المؤرخون أن السلفيوم ظهر لأول مرة بعد هطول مطر غزير وغريب وصفوه بـ “مطر أسود كالقير” غطى أرض برقة.

وفي الميثولوجيا الإغريقية القديمة، اعتبر السكان أن السلفيوم هو هبة مباشرة من الإله “أبولو” (إله الطب والشمس) كهدية سماوية لأرض قورينا لضمان رخائها وتميزها عن باقي بقاع الأرض، مما جعل اقتلاعه أو التعامل معه يخضع لطقوس تقترب من القداسة.

الإبحار في العالم القديم الذهب الأخضر وترسانة الأباطرة

إذا أبحرنا عميقاً في اقتصاد ومطبخ وصيدليات العالم القديم، سنكتشف أن السلفيوم كان بمثابة “النفط” أو “الذهب الأخضر” في العصور الكلاسيكية.

استخدمه أبو الطب “أبو قراط” وجالينوس كعلاج شامل لقرصات العقارب، واضطرابات المعدة، ومطهر للمطابخ الأرستقراطية حيث كان يُعرف صمغه بـ Laserpicium.

لكن قيمته الحقيقية تجاوزت الطب إلى السياسة الإستراتيجية. لقد كان مخزون السلفيوم يُحفظ في الخزانة العامة لروما إلى جانب الذهب والفضة.

وعندما تولى يوليوس قيصر سدة الحكم، وجد في خزائن الدولة أكثر من نصف طن من راتنج هذه النبتة كذخيرة إستراتيجية للدولة. كان الأباطرة يتهادون سيقانه، والطهاة يبتاعون غرامات قليلة منه بأسعار فلكية لتعطير موائد الملوك، مما جعله محركاً أساسياً للتجارة عبر حوض البحر الأبيض المتوسط، وأول ضحية موثقة في التاريخ للانقراض الناجم عن الجشع البشري والرعي الجائر.

النبتة التي شغلت الناس وما زالت

منذ أن تذوق الإمبراطور الروماني نيرون آخر ساق موثقة من السلفيوم في القرن الأول الميلادي – كما يروي المؤرخ “بليني الأكبر” – والنبتة لم تغادر مخيلة البشرية لقد شغلت الناس في العالم القديم صراعاً على احتكارها، وتجارةً بأوزانها، وصياغةً للأساطير حولها، وها هي اليوم، في القرن الحادي والعشرين، تعود لتشغل الدنيا من جديد عبر المعامل والمختبرات وعلم الجينات.

إن هذا التنقيب المعاصر، والبحث الحثيث بين جبال الأناضول وصخور الجبل الأخضر، ليس مجرد بحث عن عشب طبي مفقود، بل هو رحلة إنسانية لاستعادة خيط مفقود من ذاكرتنا الحيوية.

تظل زهرة السلفيوم قصة حية عابرة للألفيات؛ لغزاً بيولوجياً مدهشاً بدأ من مطر قورينا الأسطوري، وما زال يبحث عن فصوله القادمة على منصات العلم الحديث.

شاهد أيضاً

سبعة أكياس بيضاء كبيرة ممتلئة بالفحم النباتي ومصفوفة على الأرض في منطقة حرجية، وهي جزء من المضبوطات في قضية تجريف وغابات الساحل بالجبل الأخضر."

  ضبط عامل أجنبي بتهمة تدمير وتجريف مساحات واسعة من غابات الساحل لإنتاج الفحم

 تمكنت دوريات جهاز الشرطة الزراعية فرع الساحل بمنطقة الجبل الاخضر من وقف جريمة بيئية كبرى …