هناك أصوات لا تولد لتموت بل لتبقى كعلامات في الوجدان ، فقد مرت خمس سنوات على ذلك المساء الحزين من 4 يوليو 2021، حيث نستحضر تاريخ وفاة فنان غيبه وباء كورونا لينطفئ جزء حميم من طفولتنا الليبية الجماعية برحيل جابر عثمان ذلك الاسم الذي ارتبط بالابتسامة العفوية والنغمة الصادقة و لم يكن مجرد مطرب أو ملحن مر عابرا في تاريخ الفن بل كان الأب الروحي لأجيال تربت على صوته، والمهندس الذي صاغ أحلام الطفولة في ليبيا بأسلوب لم يجرؤ أحد على محاكاته.
البدايات.. من رصانة اللحن إلى العودة إلى الواقع
في عام 1960 ولدت الموهبة في أزقة بنغازي المدينة التي تتنفس الفن والثقافة هناك سلك الشاب الشغوف طريقه نحو معهد “علي الشعالية” للموسيقى والتمثيل، حيث صقل موهبته الأكاديمية ونال دبلومه بتفوق، ليتحول لاحقاً من مقاعد الدراسة إلى منصة التدريس بذات المعهد.
لم تكن خطاه الأولى محصورة في النوتة الموسيقية إذ اختبرت الكاميرا ملامحه كممثل في مسلسل “عودة إلى الواقع” غير أن الواقع الحقيقي الذي كان ينتظره، هو إدراك مطلع الثمانينات أن الساحة الفنية الليبية بحاجة إلى لون مختلف ورغم امتلاكه صوتاً عاطفياً شجياً تجسد في أعمال ناضجة مثل “لمت المحبوب” و”قالوا إيش اللي بكاني”، إلا أن روحه كانت تحلق في فضاء آخر، فضاء لم يلتفت إليه الكثيرون بذات العمق عالم الطفل.
منعطف أواخر الثمانينات.. هندسة البهجة
مع نهاية الثمانينات، وتحديداً في عام 1981، خطى جابر عثمان أولى خطواته الإذاعية عبر برنامج “كل يوم حكاية”، لكن القفزة الكبرى تجسدت في أواخر ذلك العقد عندما قرر التفرغ الكامل لعالم الأطفال.
لقد قدم طرازاً غنائياً متميزاً وخارجاً عن النمط السائد لم يتعامل مع الطفل بوصفه متلقياً بسيطاً، بل قدم له موسيقا راقية وتوزيعاً لحنياً رصيناً حرك مشاعر الصغار والكبار معاً.
من منا لا يذكر “مدرستي”، أو “ديكي الملوّن”، ومن منا لم تدغدغ روحه كلمات “هيا نرسم” و”وطني أحرف النشيد” لقد نجح جابر عثمان في تحويل الأغنية التعليمية والوطنية الموجهة للطفل إلى قطعة فنية عابرة للزمن، مستنداً على فلسفته الخاصة في بناء برنامج “رفيف الصبا” وتأسيس مفهوم “بهجة الأطفال”.
العالمية تشهد.. الفنان الشامل العابر للقارات
لم يكن تميز جابر عثمان محلياً فحسب، بل حظيت تجربته باعتراف عربي ودولي واسع يعكس حجم العبقرية الفنية التي امتلكها ففي عام 1988، انتزع الترتيب الأول في برامج الأطفال في سوريا ولم تتوقف رحلة التتويج عند هذا الحد إذ توج في مهرجان سينما الأطفال بالقاهرة بجائزة “أحسن مقدم برامج أطفال شامل على مستوى قارات العالم” وهو لقب نادراً ما يمنح لفنان عربي في هذا التخصص الدقيق.
المنصات المصرية احتفت به مراراً فحصد جائزة مهرجان القاهرة للطفل، وجائزة أفضل ملحن ومطرب للأطفال في الوطن العربي، بالإضافة إلى انتزاعه الكأس وجائزة الإبداع كأفضل فنان شامل في مهرجان القاهرة التلفزيوني. كانت الجوائز تلاحقه، ليس لأنه يبحث عن الأضواء، بل لأن الشغف والنقاء الذي كان يقدمه لم يكن بالإمكان تجاهلهما.
“أمل الغد”.. التلفزيون كما يجب أن يكون
في فترة التسعينات، وفي وقت كانت العائلات الليبية تتحلق حول الشاشة الفضية بحثاً عن هويتها البصرية، أطل جابر عثمان عبر برنامجه الأيقوني “أمل الغد” لم يكن مجرد برنامج مسابقات أو ألعاب، بل كان طقساً أسبوعياً ينتظره الأطفال بابتسامته الحانية وجلوسه القريب من الصغار، صير عثمان الشاشة ملاذاً آمناً لغرس قيم المحبة والجمال ظل هذا البرنامج علامة فارقة في تاريخ التلفزيون الليبي، محفوراً في وجدان الجيل الذي يقود البلاد اليوم، والذين تعلموا من “أمل الغد” كيف يكون الأمل حياً رغم كل التحديات.
خمس سنوات من الغياب.. الأثر الذي لا يرحل
في الرابع من يوليو 2021، أغمض جابر عثمان عينيه للمرة الأخيرة في بنغازي، تاركاً خلفه ساحة فنية يتيمة، وفراغاً شاسعاً في أدب وفن الطفل لم يملأه أحد من بعده رحل الأيقونة، لكن الموسيقى التي أودعها في قلوبنا ما زالت تنبض بـ”أمل الغد”.
اليوم، ونحن نستذكر الذكرى الخامسة لرحيله، ندرك أن جابر عثمان لم يمت فكلما صدح صوت طفل في طابور الصباح المدرسي، وكلما دندنت أم لطفلها بلحن قديم من التسعينات، يطل وجه جابر عثمان الباسم من وراء الغياب، ليؤكد لنا أن صانعي البهجة الحقيقيين يملكون تأشيرة إقامة دائمة في منقوشة في الوجدان.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية