منصة الصباح
الدكتور عبدالكريم الزياني

النادي في السفارة… أين الدولة ؟

في دولة تحاول بصعوبة استعادة هيبة مؤسساتها وترميم سيادتها الممزقة، تفاجئنا السفارة الفرنسية بإطلاق ما يسمى “نادي فرنسا” لخريجي الجامعات الفرنسية في ليبيا. حدث مرّ عند البعض وكأنه نشاط ثقافي عادي، لكنه عند كل من يؤمن بأن السيادة ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي يثير أسئلة كبيرة لا يجوز دفنها تحت عناوين الصداقة والتبادل الثقافي.

أول هذه الأسئلة: من منح الإذن؟ ومن وافق؟ وهل أُحيطت الجهات الليبية المختصة علمًا بتأسيس هذا النادي وآليات عمله وأهدافه وحدود نشاطه؟ أم أن السفارات الأجنبية أصبحت تتحرك داخل ليبيا وكأنها تعمل في مساحة خالية من الدولة والرقابة والقانون؟

لا أحد يعترض على العلاقات الأكاديمية أو العلمية أو الثقافية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأنشطة إلى شبكات منظمة تجمع البيانات وتبني قواعد علاقات وتستقطب شخصيات من مواقع مختلفة تحت إشراف مباشر من بعثات دبلوماسية أجنبية.

السؤال الأخطر ليس من انضم للنادي اليوم، بل من سيُدعى غدًا؟ هل ستقتصر العضوية على خريجين عاديين؟ أم ستشمل مسؤولين حكوميين ودبلوماسيين ومديري مؤسسات وشخصيات تشغل مواقع حساسة في الدولة الليبية؟ وإذا حدث ذلك فمن يراقب؟ ومن يضمن أن تظل الأمور ضمن إطارها الأكاديمي المعلن؟

ثم لماذا الآن؟ ولماذا ليبيا تحديدًا؟ فالدول لا تنفق الأموال والجهود والموارد من أجل المجاملات. كل دولة تعمل وفق مصالحها الوطنية وأولوياتها الاستراتيجية. وهذه حقيقة يعرفها طلاب السنة الأولى في العلوم السياسية. لذلك من حق الليبيين أن يعرفوا ما الذي دفع السفارة الفرنسية لإطلاق هذا المشروع في هذا التوقيت بالذات وفي هذا الظرف الليبي شديد الحساسية.

أما الملف الأكثر حساسية فهو ملف البيانات. فالنادي لا يقوم على الجدران والأثاث بل يقوم على المعلومات. أسماء وأرقام هواتف وعناوين بريد إلكتروني ومواقع وظيفية ومسارات مهنية وعلاقات اجتماعية. فهل توجد ضوابط قانونية واضحة تنظم جمع هذه البيانات؟ وأين تحفظ؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ ومن يراقب استخدامها؟

في كل دول العالم المتقدمة أصبحت البيانات ثروة استراتيجية لا تقل أهمية عن النفط والغاز. بينما ما زال البعض عندنا يتعامل مع الأمر وكأنه مجرد دعوة لحفل تعارف وشرب قهوة.

المسألة هنا ليست موجهة ضد فرنسا. ولو أعلنت أي سفارة أخرى عن إنشاء شبكة مماثلة لكان السؤال نفسه مطروحًا. القضية تتعلق بالدولة الليبية أولًا وأخيرًا. فالدول المحترمة لا تترك النشاطات المنظمة العابرة للمؤسسات تمر دون متابعة أو تدقيق أو مساءلة.

والمثير للاستغراب أن النقاش العام انشغل بالخبر وكأنه إنجاز دبلوماسي، بينما غابت الأسئلة المتعلقة بالسيادة والشفافية وحماية البيانات والمصلحة الوطنية. وكأننا اعتدنا أن تتحرك الأطراف الأجنبية داخل المشهد الليبي بحرية أكبر من حرية بعض المؤسسات الوطنية نفسها.

المطلوب ليس التخوين ولا صناعة المؤامرات. المطلوب شيء أبسط بكثير: الشفافية. على الجهات الليبية المختصة أن توضح للرأي العام الوضع القانوني لهذا النادي، وطبيعة نشاطه، والجهات المشرفة عليه، والضمانات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية للأعضاء.

أما الصمت فليس سياسة. والتجاهل ليس رقابة. وغض الطرف لا يصنع دولة.

فحين تصبح السفارة في قلب النادي، يصبح من حق الليبيين أن يسألوا: أين الدولة؟ وأين المؤسسات؟ وأين من يفترض أنهم حراس السيادة الوطنية؟

أسئلة قد تكون مزعجة للبعض، لكنها أقل إزعاجًا بكثير من أن نستيقظ يومًا لنكتشف أن الجميع كان حاضرًا… إلا الدولة.

د. عبدالكريم الزياني

شاهد أيضاً

نعيمة الطاهر

التعصب للهوية الليبية !

بداية القول ، أنا لست ضد التطور والتطوير ، ومشاركة الأخرين بعض المحتويات التي ستضيف …