د. مجدي الشبعاني
أستاذ القانون العام المساعد
أثارت واقعة تنفيذ عقوبة الجلد التي تداولتها وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والمنسوبة إلى مدينة سبها، جدلاً واسعاً بين رجال القانون والفقه والإعلام. وانصرف معظم النقاش إلى شروط إقامة الحد، وإجراءات تنفيذ العقوبة، ومدى مشروعية تصويرها ونشرها.
وهي مسائل قانونية مهمة، يظل الفصل فيها رهيناً بما تنتهي إليه التحقيقات الرسمية وما تقرره الجهات القضائية المختصة.
غير أن ما استوقفني في هذه الواقعة ليس الجانب الفقهي أو الجنائي بقدر ما هو البعد المؤسسي الذي كشفت عنه.
فالرسالة الأبرز لم تكن في تنفيذ العقوبة ذاتها، وإنما في كيفية تفاعل المؤسسات القضائية معها، وما يمكن أن تعكسه من دلالات تتعلق بواقع السلطة القضائية في ليبيا.
لقد اعتاد الليبيون الحديث عن انقسام السلطة التنفيذية، وتعدد الحكومات، وتباين مواقف بعض المؤسسات السيادية، إلا أن السلطة القضائية ظلت، من الناحية النظرية، تمثل إحدى ركائز وحدة الدولة، باعتبار أن وحدة القضاء ليست مجرد تنظيم إداري، بل هي ضمانة أساسية لسيادة القانون، وللمساواة بين المواطنين، ولتحقيق الأمن القانوني.
غير أن ما أعقب هذه الواقعة يثير تساؤلات تستحق التأمل.
فقد أعلن المجلس الأعلى للقضاء الذي يتخذ من مدينة بنغازي مقراً له فتح تحقيق في الواقعة، وأُعلنت مباشرة إجراءات التحقيق واتخاذ تدابير بشأنها، وهي وقائع يمكن قراءتها – من الناحية المؤسسية – باعتبارها ممارسة فعلية للاختصاص في مدينة سبها الواقعة ضمن إقليم فزان.
وفي المقابل، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يبرز للرأي العام موقف معلن مماثل من المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس تجاه الواقعة.
ولا يراد من هذه الملاحظة المفاضلة بين أي من المؤسستين أو إصدار حكم بشأن شرعية أي منهما، وإنما تسجيل أثر الواقع المؤسسي القائم على ممارسة الاختصاص القضائي في أجزاء مختلفة من البلاد.
فالاختصاص القضائي ليس مجرد إجراء إداري، وإنما هو أحد أبرز مظاهر سيادة الدولة. وعندما تصبح ممارسة هذا الاختصاص مرتبطة بالقدرة الفعلية على إصدار القرارات ومتابعة تنفيذها داخل نطاق جغرافي معين، فإن ذلك يبعث برسائل مؤسسية تتجاوز الواقعة محل التحقيق.
ولا يعني ذلك أن ليبيا أصبحت قانوناً أمام سلطتين قضائيتين، فالأصل الدستوري يظل قائماً على وحدة السلطة القضائية ووحدة الولاية القضائية. لكن الواقع العملي قد يفرز مراكز مختلفة لإدارة شؤون القضاء وممارسة بعض اختصاصاته، وهو واقع يستحق الدراسة والمعالجة قبل أن يترسخ.
ولعل الأخطر من الواقعة نفسها هو ما قد تكشف عنه خلال الفترة المقبلة.
فليبيا مقبلة خلال شهر سبتمبر على الحركة القضائية السنوية، وهي من أهم القرارات التنظيمية التي يصدرها المجلس الأعلى للقضاء، وتشمل نقل القضاة وأعضاء النيابة العامة، والندب، والتكليف، وسد الشواغر، وإعادة توزيع العمل بين المحاكم والنيابات على مستوى البلاد وفي الظروف الطبيعية، تمثل هذه الحركة إجراءً إدارياً دورياً يضمن حسن سير العدالة. أما إذا استمر الواقع المؤسسي الحالي دون معالجة، فقد تثار إشكالات قانونية وعملية تتعلق بمرجعية هذه الحركة، ومدى سريان قراراتها في مختلف الدوائر القضائية، ولا سيما في المحاكم الواقعة ضمن مناطق التماس المؤسسي.
ولا يقف الأمر عند حدود تنظيم العمل القضائي، بل قد يمتد إلى إثارة دفوع تتعلق بصحة تشكيل بعض الهيئات القضائية، أو بسلامة بعض قرارات الندب أو التكليف، أو بالصفة القانونية لمن يباشر بعض الإجراءات أو يمثل الدولة أمام القضاء، إذا نشأت منازعات حول المرجعية المختصة بإدارة شؤون أعضاء الهيئات القضائية.
وقد تبدو هذه الفرضيات بعيدة اليوم، لكنها ليست مستحيلة من الناحية القانونية، بل إن واجب الباحث القانوني يقتضي التنبيه إلى المخاطر المحتملة قبل وقوعها، لا بعد أن تتحول إلى نزاعات يصعب احتواؤها.
ولا تقتصر آثار ذلك على القضاء الداخلي فحسب، بل قد تمتد إلى المنازعات الدولية والتحكيم، حيث قد يحاول الخصوم إثارة دفوع تتعلق بسلامة التمثيل أو بشرعية بعض الإجراءات إذا نشأ خلاف حول الصفة أو الولاية المؤسسية للجهة التي أصدرت قرارات تنظيم العمل القضائي.
ولذلك، فإن القضية الحقيقية التي كشفت عنها واقعة سبها لا تتعلق بعقوبة الجلد وحدها، وإنما بمدى انعكاس الانقسام المؤسسي على إدارة مرفق العدالة، وهو مرفق يفترض أن يبقى بمنأى عن كل أشكال الانقسام؛ لأن العدالة لا تحتمل ازدواج المرجعيات أو تضارب الاختصاصات.
إن الدول لا تُقاس فقط بما تتضمنه قوانينها من نصوص، وإنما أيضاً بقدرة مؤسساتها على ممارسة اختصاصاتها في إطار مؤسسي موحد ومستقر. وكلما اتسعت الفجوة بين النص والواقع، ازدادت المخاطر على الأمن القانوني، وعلى ثقة المواطنين في القضاء، وعلى مكانة الدولة أمام المجتمع الدولي.
ومن هنا، فإن السؤال الذي تفرضه هذه الواقعة ليس: هل كانت إجراءات تنفيذ العقوبة صحيحة أم لا؟ فهذا أمر تتولاه التحقيقات والقضاء. وإنما السؤال الأهم هو: هل بدأت مظاهر الانقسام المؤسسي تمتد إلى إدارة شؤون السلطة القضائية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بواقعة سبها وحدها، بل بمستقبل العدالة في ليبيا. فإذا كانت وحدة القضاء تمثل أحد أهم مظاهر وحدة الدولة، فإن الحفاظ على وحدة إدارة السلطة القضائية لم يعد مجرد شأن تنظيمي، بل أصبح ضرورة دستورية ووطنية، لحماية سيادة القانون، وصون الأمن القانوني، والحفاظ على ثقة المواطنين، وضمان أن تبقى العدالة الليبية مرجعاً واحداً لكل الليبيين.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية