منصة الصباح
تونين.. قرية من الطين تحفظ ذاكرة الصحراء وتكتب اسم ليبيا في سجل التراث العربي

تونين.. قرية من الطين تحفظ ذاكرة الصحراء وتكتب اسم ليبيا في سجل التراث العربي

 تقرير/ مني عريبي

في قلب الصحراء الليبية، حيث تمتزج الرمال بذاكرة الإنسان، وحيث ما تزال الجدران الطينية تحكي قصص قرونٍ من الحياة والاستقرار، خطّت قرية “تونين” بمدينة غدامس فصلًا جديدًا من حضورها الحضاري، بعد إدراجها رسميًا ضمن سجل التراث المعماري والعمراني في البلدان العربية، في تتويج ثقافي يُعيد تسليط الضوء على واحدة من أهم القرى التاريخية التي حافظت على روح العمارة التقليدية الليبية عبر الزمن.

جانب من احتفال إدراج قرية تونين في قائمة الإلسكو

لم يكن الحدث مجرد مراسم تدشين أو لوحة تُعلّق على مدخل القرية، بل كان لحظة اعتراف عربي بقيمة مكانٍ استطاع أن يقاوم عوامل الزمن ويحافظ على هويته العمرانية والإنسانية، في وقتٍ تتعرض فيه الكثير من المعالم التراثية للاندثار أو الإهمال.

جانب من احتفال إدراج قرية تونين في قائمة الإلسكو

في “ميدان الرحبة”، اجتمع أهالي تونين وضيوفها في مشهد امتزجت فيه مشاعر الفخر بالانتماء، خلال احتفالية وطنية وشعبية حضرها مسؤولون ومهتمون بالتراث والثقافة، إلى جانب بعثة من اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم، التي شاركت في مراسم التدشين ضمن جهودها الرامية إلى توثيق الموروث الليبي وتعزيز حضوره عربيًا ودوليًا.

جانب من احتفال إدراج قرية تونين في قائمة الإلسكو
إدراج تونين محطة لإبراز قيمتها الحضارية

من جانبه أكد رئيس وفد اللجنة الوطنية الليبية صلاح الدين المسلاتي، خلال الاحتفالية أن إدراج قرية تونين يمثل محطة مهمة في مسار صون التراث الليبي وإبراز قيمته الحضارية، مشددًا على أن اللجنة الوطنية، تواصل جهودها في توثيق وتسجيل مختلف المواقع التراثية في ربوع ليبيا.

جانب من احتفال إدراج قرية تونين في قائمة الإلسكو

وأضاف أن هذه الجهود لا تقتصر على الإطار العربي فقط، بل تتجه نحو تعزيز حضور ليبيا في السجل الدولي للتراث العالمي، عبر العمل المؤسسي والتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن حماية هذا الإرث الإنساني للأجيال القادمة. ويرى مختصون في التراث أن هذا الإدراج لا يمنح القرية بعدًا رمزيًا فقط، بل يفتح الباب أمام مشاريع مستقبلية في مجالات الترميم والتوثيق والتنشيط السياحي والثقافي، بما يضمن الحفاظ على الموقع وتحويله إلى وجهة تعكس غنى الموروث الليبي وتنوعه الحضاري.

وصف القرية وعبقرية تصميمها

القرية التي تبدو للزائر وكأنها خارجة من صفحات التاريخ، كشفت خلال الجولة الميدانية عن تفاصيل معمارية وإنسانية تختصر عبقرية الإنسان الصحراوي، الأزقة الضيقة المتشابكة، البيوت الطينية المتلاصقة، والنوافذ الصغيرة التي صُممت لتلطيف حرارة الصيف القاسي، كلها شواهد على مدرسة معمارية متكاملة قامت على التكيّف مع البيئة واحترام خصوصيتها.

ولم تكن تونين التي تقع في محيط مدينة غدامس جنوب غرب ليبيا، مجرد تجمع سكني قديم، بل نموذجًا حضاريًا متكاملًا للحياة في الصحراء، يتجلى ذلك بوضوح في نظام “الفقارات” التقليدي الذي ظلّ لعقود طويلة شريانًا للمياه والحياة، إلى جانب قنوات الري والشادوف المائي، التي تعكس مستوى متقدمًا من المعرفة الهندسية التي ابتكرها السكان المحليون منذ قرون.

الشادوف شاهد على أقدم وسائل رفع المياه

في قلب قرية تونين، يبرز الشادوف كأحد أهم الشواهد التاريخية على عبقرية الإنسان الصحراوي في التكيّف مع بيئته القاسية، وإدارته للمياه بوصفها عنصر الحياة الأول، حيث يُعد من أقدم الوسائل التقليدية التي استُخدمت لرفع المياه من الآبار وسقي الواحات.

ويعود تاريخ الشادوف إلى أكثر من 4000 سنة، إذ ظهر في الحضارات القديمة وانتقل عبر الأجيال ليصبح جزءًا من التراث الزراعي في المناطق الصحراوية، ومنها واحات غدامس وقرية تونين، التي اعتمد سكانها عليه لقرون طويلة في ريّ النخيل والبساتين واستمرار الحياة داخل الواحة.

قيمة حضارية وثقافية واقتصادية ممتدة

تحمل قرية تونين قيمة ثقافية وحضارية كبيرة، إذ تُجسد التفاعل التاريخي بين الإنسان والصحراء، كما تمثل شاهدًا حيًا على تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية في غدامس عبر العصور، خاصة مع ارتباط المدينة تاريخيًا بطريق القوافل التجارية العابرة للصحراء، والتي جعلت منها محطة مهمة للتبادل التجاري والثقافي بين شمال أفريقيا وعمق القارة الأفريقية.

تبقى تونين واحدة من الكنوز الأثرية الليبية التي تعكس عمق الحضارة المحلية في الصحراء، ومصدرًا مهمًا للباحثين والمهتمين بالتاريخ والتراث والعمارة التقليدية في المنطقة المغاربية.

شاهد أيضاً

المصطافون يعانقون الموج.. كيف نعيش صيفا للأمان لا للأحزان 

المصطافون يعانقون الموج.. كيف نعيش صيفا للأمان لا للأحزان 

من شواطئ الخمس التي اغتسلت بالرمل والتنظيف، إلى مياه طرابلس التي ترقبها عيون “الإصحاح البيئي”، …