منصة الصباح
احلام محمد الكميشي

كي لا تتحول الفزعة إلى مأساة

رحيل شاب وهو يحاول إنقاذ عائلات خلال العاصفة الأخيرة في طرابلس ليس مجرد حادثة عابرة، بل مرآة قاسية لخلل أعمق في سلوك المجتمع وقت الأخطار. نحن نُعجب بالشجاعة الفردية ونخلّد صورة “البطل” الذي يندفع بلا تردد، لكننا نغفل أن الإنقاذ الحقيقي لا يقوم على الاندفاع وحده، بل على التنظيم والمعرفة. ما حدث يكشف مفارقة مؤلمة: نية نبيلة اصطدمت بواقع خطير لا يرحم تجاهل قواعد السلامة. والمياه التي أخفت تحتها أسلاكًا كهربائية مكشوفة وغرف تفتيش مفتوحة، سُرقت أغطيتها لتباع خردة بلا وازع، حوّلت لحظة إنقاذ بطولية إلى مأساة، دفع ثمنها شاب فقدته عائلته.

مشهد السيارات الغارقة والناس الذين ملأوا الشوارع رغم التحذيرات الجوية يثير الاستغراب، كأن التحذير في ثقافتنا مجرد اقتراح، وليس إنذارًا يجب أن يؤخذ بجدية. وهذا لا يعكس شجاعة بقدر ما يعكس استهانة بالخطر، وربما ثقة زائفة بأن “الأمور ستمر بسلام رغم عدم الأخذ بالأسباب”، وكذلك لامبالاة تُحمّل الآخرين أعباءً إضافية، فحين يخطئ البعض في تقدير الخطر، لا يدفع الثمن وحده، بل يجر معه غيره من المواطنين وفرق الإنقاذ إلى دائرة القلق والخسارة.

نحن بحاجة لإعادة تعريف مفهوم “المساعدة ضمن ثقافة الفزعة”، إذ ليس كل اندفاع لإنقاذ مصاب عملًا محمودًا، فقد يتحول صاحبه إلى ضحية جديدة، أو يزيد من سوء حالة المصاب دون قصد. الإنقاذ مسؤولية تتطلب حدًا أدنى من الوعي ومستوىً معقولًا من المعرفة: كيف تُقيّم الخطر؟ متى تتدخل؟ وكيف؟ ومتى يكون الاكتفاء بطلب المساعدة هو القرار الأصح؟ في الحوادث والعواصف، قد تكون خطوة بسيطة واعية، كإبعاد الناس عن موقع خطر أو الاتصال بالإسعاف وفتح الطريق أمامه، أكثر فاعليةً من تدخل متسرع.

لطالما كان الوعي الفردي خط الدفاع الأول، ودور المواطن لا يقل أهمية عن دور الجهات الرسمية. الالتزام بالبقاء في المنازل وقت التحذيرات، تجنب الطرق المغمورة، وعدم المجازفة من أجل ممتلكات أو لقطات عابرة، إنها قرارات صغيرة لكنها حاسمة. وحماية النفس والعائلة والغير ليست رفاهية، بل مسؤولية أخلاقية.

ربما لا نستطيع منع العواصف، لكننا نستطيع تقليل خسائرها. والبداية تكون بوعي بسيط: الحياة أغلى من أي اندفاع، والبطولة الحقيقية ليست في المخاطرة، بل في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت الصحيح.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

*المرجعية الصحية الأكاديمية*

حين تفقد الدولة مرجعيتها الأكاديمية في المجال الصحي، فإنها لا تفقد مجرد مؤسسة تعليمية بل …