منصة الصباح
مدفع الإفطار في طرابلس .. أثر جميل بعد عين
مدفع الإفطار في طرابلس .. أثر جميل بعد عين

مدفع الإفطار في طرابلس .. أثر جميل بعد عين

كتبت/ عفاف التاورغي

قبل أذان المغرب بدقائق، لم تكن طرابلس كما نعرفها اليوم.
كانت تخفّ سرعتها، وتقلّ حركتها، وكأن المدينة نفسها صائمة وتنتظر.


فوق أسطح البيوت في المدينة القديمة، كان الأطفال يتجمعون قبل المغرب بوقت.


يتسابقون إلى أعلى نقطة، يحدّقون في الأفق، ويضعون أيديهم على آذانهم أحيانًا، خوفًا من أن يفوتهم الصوت.

لم يكن هناك تطبيق يعلن موعد الإفطار، ولا ساعة رقمية تُصدر تنبيهًا.

كان هناك صوت واحد: مدفع الإفطار.

لحظة الصمت الكبيرة

قبل أن يُسمع المدفع، كانت هناك لحظة سكون لا تُنسى، تليها الفرحة التي لا توصف.

عن ذلك يقول عمّ مفتاح، أحد سكان المدينة القديمة: “كنا نستنى المدفع كأننا نستنى خبرًا مفرحًا.. أول ما يضرب، تحسي إن طرابلس كلها تقول الحمد لله في نفس اللحظة.”

فرحة بانتهاء يوم صيام وترقب أجر آتٍ.. فرحة توزع على كافة القلوب المتلهفة والألسنة الجارية دعاءً.. فتسعها.

انتصار صغير.. انتصار كبير

الأمور لا تُقاس بمعايير مادية.. كما يحكي عمّ مفتاح: “حتى اللي ما عنده إلا القليل، كان يحس إن عنده الدنيا وقت المدفع. الفرحة ما كانتش في الأكل، كانت في الشعور إنك كملت يومك.


الأطفال كانوا يعتبرون سماع المدفع إنجازًا يوميًا.. ومن يصوم لأول مرة، ينتظر تلك اللحظة بفخر لا يوصف.

كأن الصوت يعلن انتصارًا صغيرًا في قلبه.

اليوم.. الصوت تغيّر

اليوم، تغيّرت الوسائل. الهاتف يرنّ بالأذان، والقنوات تبثّ العدّ التنازلي،
وكل شيء أصبح أدقّ وأسرع.

لكن شيئًا ما من رهبة اللحظة خفّ.

لم تعد المدينة تصمت كما كانت، ولم يعد الانتظار جماعيًا كما كان.

ربما لأن كل واحد صار يعيش لحظته منفردًا، بين شاشة وأخرى.

لكن يظل المدفع المنتصب أعلى السرايا الحمراء في واجهة طرابلس دليلاً على أنه كان ملمحًا رئيسًا لرمضان وسيظل أثرًا يذكر بالماضي الجميل.

شاهد أيضاً

شارع تاريخي داخل المدينة القديمة طرابلس يظهر المباني التراثية المتراصة والأزقة التي تعكس الطابع المعماري العريق للعاصمة الليبية.

ترميم المباني التاريخية…بين حماية التراث ومخاوف السكان

طارق بريدعة يعود ملف المدينة القديمة في طرابلس إلى واجهة الاهتمام، بعدما فرضت المباني التاريخية …