في شرق ليبيا، ارتبط الخامس من سبتمبر بواحدة من أكثر الوقائع دموية في تاريخ المنطقة خلال عهد الأسرة القرمانلية، وهي الواقعة التي تُعرف في الذاكرة التاريخية والشعبية بـمذبحة الجوازي أو مذبحة قصر الحامية، والتي استهدفت عدداً من شيوخ وأعيان قبيلة الجوازي في مدينة بنغازي عام 1817.
وتحيي القبيلة في الخامس من سبتمبر من كل عام ذكرى الضحايا، فيما تستمر المطالبات بتوثيق الواقعة وفتح الأرشيفات المرتبطة بها وإبقاء تفاصيلها حاضرة في الذاكرة التاريخية الليبية.
الجوازي والصراع السياسي في برقة
كانت قبيلة الجوازي من القبائل البارزة في إقليم برقة، ولها حضور اجتماعي وسياسي مؤثر خلال الفترة التي سبقت المذبحة.
وجاءت أحداث 1817 في ظل صراع سياسي داخل الأسرة القرمانلية، بين يوسف باشا القرمانلي وابنه محمد بك، الذي استعان بعدد من القوى والقبائل في برقة، وكانت الجوازي من القبائل التي ارتبطت بهذا الصراع. وتوضح مصادر تاريخية أن حملة عسكرية قادها أحمد القرمانلي تحركت في فبراير 1817 لمواجهة تمرد محمد بك وحلفائه.
ومن هنا بدأت العلاقة بين السلطة والجوازي تتجه نحو مزيد من التوتر، قبل أن تنتهي إلى واقعة قصر الحامية في سبتمبر من العام نفسه.
دعوة إلى الصلح انتهت بالمذبحة
بحسب الروايات التاريخية المتداولة حول الواقعة، سعى يوسف باشا القرمانلي إلى استدعاء شيوخ وأعيان قبيلة الجوازي إلى بنغازي في إطار ما ظهر لهم على أنه مصالحة وتسوية للخلافات.
وتذكر الروايات أن نحو 45 من شيوخ وأعيان القبيلة حضروا إلى قصر الحامية في بنغازي، وسط أجواء أوحت بوجود مساعٍ لإنهاء الخلاف.إلا أن ما حدث بعد دخولهم القصر تحول، وفق هذه الروايات، إلى عملية قتل جماعي استهدفت شيوخ القبيلة، ولم يخرج من أعيان الجوازي الذين دخلوا القصر في ذلك اليوم أحد على قيد الحياة. وتدعم روايات تاريخية متداولة تفاصيل الواقعة بشهادات ووثائق مرتبطة بالحملة التي قادها أحمد القرمانلي في برقة.
من قصر الحامية إلى مضارب القبيلة
لم تتوقف آثار الواقعة، وفق الروايات التاريخية، عند شيوخ القبيلة الذين قتلوا داخل القصر، بل امتدت عمليات المطاردة إلى مناطق وجود الجوازي في برقة.
وتذكر المصادر أن عمليات القتل ومصادرة الممتلكات دفعت أعداداً كبيرة من أبناء القبيلة إلى مغادرة مناطقهم والهجرة خارج ليبيا، فيما اضطر بعض من بقوا داخل البلاد إلى الاندماج في قبائل أخرى أو التخلي عن الانتساب العلني إلى الجوازي حفاظاً على حياتهم.
وتؤكد الدراسة الأكاديمية المتخصصة أن الهجرة إلى مصر كانت في بدايتها هجرة قسرية نتيجة مذبحة قصر الحامية، قبل أن يستقر أبناء القبيلة هناك ويصبح وجودهم جزءاً من النسيج الاجتماعي في مصر.
كم بلغ عدد الضحايا؟
تتداول الروايات المتعلقة بالمذبحة تقديرات تصل إلى 10 آلاف قتيل أو أكثر، وتشمل هذه التقديرات ضحايا عمليات القتل التي طالت أبناء القبيلة بعد استهداف شيوخها.
لكن من الناحية الصحفية والتاريخية، من الأفضل عدم التعامل مع الرقم باعتباره إحصاءً نهائياً، لعدم وجود تعداد سكاني موثق يتيح الجزم بالعدد الدقيق للضحايا.
ذكرى لا تزال حاضرة
بعد أكثر من قرنين، لا تزال مذبحة الجوازي حاضرة في الذاكرة الجمعية لأبناء القبيلة.وفي السنوات الماضية، دأبت القبيلة على إحياء الذكرى في الخامس من سبتمبر، والمطالبة بتوثيق الواقعة والاعتراف بها، إلى جانب الدعوة إلى الكشف عن الوثائق التاريخية المرتبطة بها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية