منصة الصباح
مجدي الشبعاني
مجدي الشبعاني

مأسسة القيم في ليبيا قراءة في تحديات الانتقال من القيم الاجتماعية إلى النزاهة المؤسسية

د مجدي الشبعاني

حين نتحدث عن تحديات القيم في المجتمع الليبي، ينبغي أن نكون حذرين من الوقوع في تشخيص سهل ومجحف يقول إن أزمتنا سببها انهيار منظومة الأخلاق أو تراجع القيم في المجتمع.

فالليبيون ليسوا مجتمعًا يبحث عن تعريف جديد للأمانة أو الشهامة أو الكرم أو العدل أو حفظ الحقوق. لدينا منظومة أخلاقية واجتماعية عريقة، صنعتها عبر أجيال متعاقبة المرجعية الدينية، والأسرة، والقبيلة، والمدينة، والجوار، والعرف الاجتماعي، وتجارب الحياة المشتركة. وما تزال آثارها واضحة في التكافل بين الناس، وإغاثة المحتاج، ونجدة الملهوف، وإكرام الضيف، والوقوف مع الجار، واحترام الكبير، والحرص على سمعة الإنسان وأسرته، وغيرها من القيم التي ظلت جزءًا أصيلًا من الشخصية الاجتماعية الليبية.

ولذلك ربما لا تكمن المشكلة الأساسية في وجود القيم، وإنما في المكان الذي تعمل فيه هذه القيم ومدى قدرتنا على نقلها من العلاقات الاجتماعية الخاصة إلى المجال المؤسسي العام.

فنحن ننجح، إلى حد كبير، في ممارسة الأمانة والوفاء والتكافل داخل الأسرة والحي وعلاقات القرابة والصداقة، لكن السؤال الأصعب هو: هل نجحنا بالقدر نفسه في تحويل هذه القيم إلى سلوك وظيفي، وثقافة إدارية، وقواعد تحكم المرفق العام، وطريقة يتعامل بها الموظف مع المواطن والدولة والمال العام؟

هنا، في تقديري، توجد المسألة التي تستحق النقاش.فالدولة الحديثة لا تحتاج مجتمعًا بلا جذور

أخلاقية، وليست مهمتها أن تصنع منظومة قيم بديلة عن قيم المجتمع، وإنما تحتاج إلى أن تحول الرصيد الأخلاقي الموجود في المجتمع إلى أخلاقيات مؤسسية قابلة للممارسة والقياس والمساءلة.

وهذا ما يمكن تسميته: مأسسة القيم.

من القيمة الأخلاقية إلى القاعدة المؤسسية

المثير للاهتمام أن هذه الفكرة ليست غريبة عن التشريع الليبي.

فقانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010 لم يتعامل مع الوظيفة العامة بوصفها علاقة مالية بين الدولة والموظف فحسب، وإنما قرر أن الوظيفة العامة تكليف للقائمين بها، وأن واجب الموظف أن يؤدي عمله بجد وإتقان، وأن يسلك في تصرفاته مسلكًا يتفق مع الدين والخلق والكرامة، وأن يكون هدفه خدمة المواطنين وتحقيق المصلحة العامة.

بل إن القانون ذاته يجعل شغل الوظائف قائمًا على الكفاءة والجدارة والمقدرة والاستحقاق، ويربط الاختيار بالنزاهة والشفافية والعدالة، ويحظر المحاباة والتمييز.

وهذا مهم للغاية.

لأنه يعني أن التشريع الليبي نفسه أدرك أن الأخلاق ليست شيئًا خارج الوظيفة العامة، وإنما جزء من فلسفتها القانونية.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد النص القانوني.

كيف نجعل «الأمانة» التي يتحدث عنها القانون ممارسة يمكن رؤيتها داخل المؤسسة؟

كيف يتحول «العدل» من قيمة نؤمن بها إلى إجراءات لا تسمح بالمحاباة؟

كيف يتحول «الإتقان» إلى معيار لقياس أداء الموظف؟

كيف تتحول «خدمة المواطن» من عبارة مكتوبة في التشريع إلى تجربة يشعر بها المواطن عندما يدخل مؤسسة عامة؟

هنا نحتاج إلى الانتقال من تعريف القيمة إلى ترجمتها مؤسسيًا.

فالأمانة، مثلًا، لا ينبغي أن تبقى مجرد مطالبة الموظف بأن يكون أمينًا؛ بل ينبغي أن تقابلها إجراءات تمنع تضارب المصالح، وتحدد المسؤولية عن المال والممتلكات، وتفصل بين من يأمر بالصرف ومن ينفذه ومن يراجعه، وتوثق الإجراءات بحيث يمكن معرفة من اتخذ القرار وعلى أي أساس.

والعدل في المؤسسة لا يكفي أن نطالب به أخلاقيًا؛ بل ينبغي أن يترجم إلى معايير معلنة للتوظيف والترقية، ونظم واضحة لتقديم الخدمات، وترتيب لا يستطيع الموظف تغييره لصالح قريب أو صديق، وإجراءات تتيح لصاحب الحق الاعتراض عندما يشعر بأنه تعرض للتمييز.

والإتقان لا ينبغي أن يبقى فضيلة شخصية؛ بل يمكن تحويله إلى معيار مؤسسي: ما المدة المفترضة لإنجاز المعاملة؟ ما مستوى الخدمة المطلوب؟ من المسؤول عن التأخير؟ وكيف يقاس رضا المواطن عن الخدمة؟

أما المحافظة على المال العام، فهي ليست فقط الامتناع عن السرقة بمعناها المباشر؛ بل تشمل سيارة الدولة، والوقود، والهاتف، والأجهزة، وساعات العمل، والمباني، والمعدات، والمعلومات، والوقت الذي يدفع المجتمع مقابله للموظف.

وحين تتحول هذه القيم إلى نظم وإجراءات، فإننا لا نفصل الأخلاق عن الدين أو المجتمع، بل نفعل العكس تمامًا: نجعل الأخلاق قادرة على العمل داخل المؤسسة.

وهذه الفكرة تجد سندًا آخر في التشريعات الرقابية الليبية؛ فقانون إعادة تنظيم ديوان المحاسبة يجعل من أهداف الرقابة تعزيز الحوكمة الجيدة، وتطبيق القانون، ورفع كفاءة الأجهزة الحكومية، ونزاهة الإدارة، والاستغلال الأمثل للموارد. كما يجعل قانون هيئة الرقابة الإدارية من أغراض الرقابة التأكد من أن العاملين في الجهات العامة يستهدفون في أدائهم خدمة المواطن، ومواجهة الوساطة والمحاباة واستغلال الوظيفة.

إذن نحن لا نحتاج إلى اختراع فلسفة إدارية جديدة بقدر ما نحتاج إلى جمع هذه المبادئ المتفرقة في ثقافة مؤسسية واحدة.

الموظف والمواطن شريكان في أخلاق الخدمة العامة

ومع ذلك، لا أعتقد أن الحديث ينبغي أن يقتصر على أخلاقيات الموظف العام.

فالمرفق العام علاقة بين طرفين: موظف يقدم الخدمة، ومواطن أو شخص يتلقاها.

وإذا أردنا بالفعل نقل القيم إلى المؤسسة، فعلينا أن نبني منظومة سلوك للطرفين.

الموظف ملتزم بالأمانة والحياد والعدل وعدم استغلال الوظيفة واحترام الوقت والمحافظة على المال العام وعدم إفشاء الأسرار وعدم قبول منفعة مقابل أداء واجبه.

وفي المقابل، على متلقي الخدمة أيضًا مسؤوليات أخلاقية: ألا يطلب واسطة للحصول على ما لا يستحقه، وألا يعرض مالًا أو منفعة لتجاوز الإجراءات، وألا يقدم معلومات أو مستندات غير صحيحة، وأن يحترم ترتيب الآخرين وحقهم في الخدمة، وأن يحافظ على الممتلكات العامة ويحترم الموظف أثناء أداء عمله.

وهذه نقطة أعتقد أننا لا نتحدث عنها بالقدر الكافي.

فمن الصعب مكافحة الواسطة إذا ظل المواطن يعتبر البحث عن «شخص يعرفه في الداخل”

شاهد أيضاً

«4+4».. من طاولة الحوار إلى الاتفاق

إعداد | سعاد الفرجاني على مدى أربعة أشهر، تنقلت اجتماعات لجنة «4+4» بين روما وتونس، …