منصة الصباح
جمعة بوكليب

تذكرة إلى ” نوريين”

جمعة بوكليب

زايد..ناقص

 

كلما سمعتُ أغنية فيروز «هدير البوسطة»، تمنيتُ لو كنتُ من ضمن ركاب تلك الحافلة؛ ليس رغبةً في رؤية عينيّ بُنيّة اسمها “عليا”، شديدتَي السواد وفاتنتين، فقد تجاوزتُ تلك المرحلة منذ سنوات، ولا في الشماتة بزوج المرأة البشعة، ولا في التفرّج على الراكب الذي يأكل الخسّ، أو الآخر الذي يزدرد تينًا، بل لأعرف ضيعةً اسمها “حملايا”، تنطلق منها تلك الحافلة(البوسطة) قاصدةً أخرى اسمها “نوريين”.

أمنيةٌ قد تبدو غريبة لا تليق برجل عجوز يقترب من عامه الثمانين؛ يستيقظ من “الفجاري”، ويبدأ نهاره بشرب فناجين قهوة مُرّة وتدخين سجائر أشدّ مرارة، ويكحّ حتى يكاد ينخلع صدره وحتى يوقظ الجيران في الشقة المجاورة. ثم يفتح جهازه الحاسوبي ويبدأ جولته في الاستماع إلى أغاني فيروز الصباحية، مقتفيًا أثرها في ليالي الشمال الحزينة، أو في حكاية حنا السكران، أو حتى ينساها النوم، وتُحبس خارجه.

الرجل العجوز صباحا يتمنّى لو كان ضمن الواقفين في محطة تلك الضيعة المجهولة – المعلومة، يسمع هدير البوسطة/ الحافلة، ويتوق إلى لحظة فتح الباب ليستقلها مع غيره من المنتظرين القاصدين ضيعة أخرى اسمها نوريين، ومتسائلاً في ذات الوقت عمّا كانوا يفعلونه في ضيعة اسمها “حملايا”، ولماذا يقصدون بالذات “نوريين” وهي ضيعة لم تكن لتعرف لولا عليا أم عيون سود.

أحيانًا، يطيب للعجوز السروح وراء معنى كلمة «حملايا» وجذرها اللغوي وعلاقتها بما حولها من ضياع تقصدها البوسطة. في أحايين أخرى—وهو يقترب من عقده التاسع—يطيب له السروح وراء قطعانه في مراعٍ غير مألوفة متسائلاً: لماذا حين تشيخ الذاكرة لا تشيخ الذكريات؟

في صباحه الطرابلسي الخريفي الدافئ المشمس، بدلًا من مغادرة بيته والسروح في الطرقات والشوارع مثل خلق الله، صار الرجل العجوز يفضّل البقاء في البيت واقتفاء صوت فيروز، وهي تنسج صباحًا حكايات عن أناس مجهولين كانوا يستقلون حافلةً من ضيعة اسمها “حملايا” تتجاهل ذكرها الخرائط.

شاهد أيضاً

الخبير الاقتصادي/ محمد الشحاتي

كيف سيؤثر إضراب المعلمين على هيكلية المرتبات في ليبيا؟ وهل جدول المرتبات الموحد حل لهذه الأزمة؟

الخبير الاقتصادي/ محمد الشحاتي لم يعد إضراب المعلمين في ليبيا مجرد خلاف مهني حول قيمة …