أحلام محمد الكميشي
يختزل البعض الأزمة الليبية في الشرعية، ويحصر الحل في صندوق الاقتراع، أو القفز بمظلة من عاصمة ما لافتكاك حصة من الغنيمة، أو استمرار مؤسسات انتهت ولاياتها أو أصبحت محل نزاع، وكأن الزمن متوقف، والسؤال: من يمنح الشرعية؟ وكيف يمنحها؟ ولمن؟ ولماذا؟ ومقابل ماذا؟
في الدول الناجحة، تكون السلطة التشريعية إحدى سلطات الدولة، لا سلطة على الدولة، وينطبق الأمر ذاته على السلطتين التنفيذية والقضائية، في إطار مبدأ الفصل بين السلطات. ويظل الشعب صاحب السيادة ومصدر الشرعية الحقيقي، كونه ينتخب ممثليه، ويحاسبهم، ويمارس رقابته عليهم. وما يحدد طبيعة الخيارات التي تصل إلى السلطة، هو وعي المواطنين، وثقافتهم، وقدرتهم على التعلم من التجارب، فلا يمكن انتظار نتائج مختلفة باتباع نفس أنماط التفكير والاختيار. وفي تقديري، لا يمكن اختزال الأزمة الليبية في الشرعية السياسية وحدها؛ فهي عنصر ضمن منظومة متكاملة لبناء الدولة. وحين تعاني المنظومة من الخلل، فإن أي شرعية جديدة ستواجه نفس المشاكل، وربما تعيد إنتاج مظاهر جديدة لذات الأزمة.
إن تجديد الشرعية، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات، وتعزيز الرقابة على الأداء، كلها مطالب لا غنى عنها، لكن تحقيق الاستقرار يحتاج إلى ضمانات توفرها بيئة سياسية ومجتمعية صحية، عبر إعلام حر يبحث عن الحقيقة، مهما اختلفت توجهاته ومنابره، لأن تنوع الرؤى يحد من أثر الانحياز، ويساعد المجتمع على تكوين رأي عام أكثر وعيًا. وعبر مؤسسات مجتمع مدني فاعلة، تكون شريكًا في الرقابة على الأداء العام، والدفاع عن الحقوق، ومتابعة تطبيق القانون، والتعاون مع القضاء بما يخدم العدالة.
وجامعات ومراكز بحثية مستقلة ومتطورة، تدعمها أوقاف تستثمر في المعرفة والعلوم. فالحضارات المزدهرة قامت على جهود علمية ومعرفية أنتجت الأفكار والحلول، وربطت البحث العلمي باحتياجات المجتمع. ورغم تراجع هذا الدور في منطقتنا منذ قرون، فإن الرهان على استعادته ما يزال قائمًا.
ولا يقل أهمية عن ذلك دور المستقلين من أهل الفكر والثقافة والفن، فهم الضمير النقدي للمجتمع. مهمتهم ليست تبرير الواقع، ولا الاصطفاف خلف السلطة أو المعارضة، بل مساءلة الجميع، وكشف مواطن الخلل، وإنتاج الأفكار التي توسع أفق النقاش العام، وتساعد المجتمع على رؤية بدائل أفضل، وترتقي بالحوار بعيدًا عن الشخصنة والتفاهات.
الدول الناجحة، يتبنى مواطنوها مشروعًا وطنيًا ينتج شرعية بوصفها ضمانًا للمستقبل، لا مجرد تبديل للوجوه.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية