إعداد: سعاد الفرجاني/تصوير: حمزة الأحمر
شهد موسم التونة في ليبيا لعام 2026 نشاطا واسعًا مع انطلاق عمليات الصيد في المياه الإقليمية الليبية، خاصة خليج سرت، في موسم يمتد من منتصف أبريل إلى منتصف يوليو، برعاية حكومية عبر تشكيل لجنة عليا بموجب قرار رسمي لمتابعة الموسم والإشراف على عمليات الصيد، في إطار جهود تستهدف تعظيم العائد الاقتصادي من هذه الثروة البحرية وضمان استدامة مخزونها السمكي.

مؤشرات الموسم
تُعد التونة الزرقاء ركيزة أساسية للاقتصاد البحري الليبي، بحسب تأكيدات مدير إدارة الموانئ والمرافئ بوزارة الثروة البحرية حسن الجعفري. فالمؤشرات الأولية للموسم الحالي، كما يوضح الجعفري، تُظهر تحسناً ملموساً في النشاط الميداني، وهو تحسن يعزوه إلى كفاءة إدارة المصايد والالتزام المتزايد بالضوابط المنظمة لعمليات الصيد. ورغم ذلك، تظل العوامل المناخية وحركة الهجرة السنوية للتونة هي المحددات الرئيسية لحجم الإنتاج في المياه الليبية، وفقاً لتقديراته.
مناطق التكاثر
تُشكل المنطقة الوسطى من البحر المتوسط بيئة حيوية لتكاثر التونة الزرقاء، حيث تبلغ دورتها البيولوجية ذروتها خلال فصلي الربيع والصيف. ومن هذا المنطلق، يُشدد الجعفري على أن حماية هذه المناطق تُعد ضرورة قصوى للحفاظ على المخزون السمكي وضمان استدامة هذا المورد البحري للأجيال القادمة، نظراً لأهميته الاستراتيجية للأمن الغذائي والاقتصاد الوطني.

حصة ليبيا (2950) طناً
تمكنت ليبيا من تحقيق مكاسب مهمة خلال اجتماع منظمة “إيكات” الأخير بمدينة إشبيلية الإسبانية، حيث ارتفعت الحصة المخصصة لها إلى 2950 طناً حتى عام 2028. ويربط الجعفري هذا الإنجاز بالتزام الأسطول الوطني بالمعايير الدولية المنظمة لصيد التونة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن الكمية المخصصة للسوق المحلية تُقدر بنحو 20 طناً سنوياً، لتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي.
الجودة والرقابة الصحية
تخضع جودة التونة لفحوصات دقيقة تشمل لون الخياشيم وتماسك اللحم، بالإضافة إلى التحاليل المخبرية للكشف عن المعادن الثقيلة والزئبق في الأسماك كبيرة الحجم. ويُعد الالتزام بهذه المواصفات الصحية المعتمدة، كما يؤكد الجعفري، أمراً أساسياً للحفاظ على جودة المنتج وضمان سلامة المستهلك على الصعيدين المحلي والدولي.
اشتراطات العرض والتداول
وتتطلب عملية عرض وتداول التونة المحافظة على سلسلة التبريد وعرض الأسماك فوق الثلج النظيف بعيداً عن مصادر التلوث. ويُحذر الجعفري من أن تعرض الأسماك لأشعة الشمس المباشرة يُؤدي إلى تراجع سريع في قيمتها الغذائية وجودتها، مشيراً إلى أن الفرق الرقابية المختصة تُتابع عن كثب مدى التزام الأسواق ونقاط البيع بالاشتراطات الصحية المعمول بها لضمان سلامة المنتج.

تحديات الاستثمار والتصنيع
يُواجه قطاع التونة في ليبيا تحديات رئيسية، يضع الجعفري في مقدمتها الصيد غير القانوني وغياب الصناعات التحويلية المتطورة. ويرى أن تطوير الموانئ والمرافئ وجذب الاستثمارات المتخصصة يُشكلان خطوة أساسية لتعظيم الاستفادة الاقتصادية من هذا القطاع، معتبراً أن الاستثمار في التصنيع المحلي هو الحلقة الأهم لتحويل هذه الثروة البحرية إلى مورد اقتصادي مستدام، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المادة الخام.
البنجيتا عند البحارة
ويضيف الجعفري أن التونة «العنيدة» هي زرقاء الزعنفة، بينما البنجيتا هو اسم محلي لعضلات البطن الدهنية وليس نوعًا منها، مشيرًا إلى أن أبرز أنواع التونة في ليبيا هي زرقاء الزعنفة وكبيرة العين، إضافة إلى أنواع شبيهة مثل أبو سيف والباكور
ارتفاع التكاليف
وعلى مرسى سوق باب البحر تبرز معاناة العاملين في القطاع، وكشف أحد الصيادين الذي فضل عدم ذكر اسمه، عن ارتفاع حاد في تكاليف التشغيل خلال السنوات الأخيرة. ويشرح كيف ارتفع سعر لتر الوقود البحري من نحو 1.25 دينار إلى ما يقارب 3.70 دينار، مما ضاعف الأعباء المالية على الصيادين وأرباب القوارب. ولم تقتصر الزيادات على الوقود، بل شملت معدات الصيد، حيث قفز سعر ربطات الشباك من نحو 200 دينار إلى أكثر من 500 دينار، ووصل ربط الحبال من 30 ديناراً إلى 140 ديناراً، بينما حلقت أسعار بعض المستلزمات الأخرى كالمحركات من 5000 دينار إلى 60000 ألف دينار. ويزيد غياب الجمعيات التعاونية، التي كانت توفر المعدات بأسعار مدعومة من وطأة هذه الأعباء على كاهل الصيادين.
نقص العمالة الليبية
ويُعاني القطاع أيضاً من نقص واضح في العمالة الليبية، وهو واقع يرجعه الصياد إلى عزوف الشباب عن العمل البحري واتجاههم نحو الوظائف الحكومية، مما أدى إلى اعتماد غالبية القوارب على عمالة أجنبية لتسيير أعمالها.

ارتفاع أسعار التكلفة
امتدت موجة الغلاء لتشمل تكاليف تجهيز قوارب الصيد وأسعار الجرافات بشكل غير مسبوق. وبحسب إفادة الصياد، تتراوح تكلفة تجهيز قارب متوسط الحجم اليوم بين 800 ألف دينار إلى ملينون دينار بحسب نوع التجهيزات، بعد أن كان سعرها لا يتجاوز 30 ألف دينار في السابق. وترافق ذلك مع ارتفاع سعر متر الحديد إلى 3500 دينار، ومتر اللوح إلى 20000 دينار، بالإضافة إلى سعر الطلاء الذي وصل الكيلوغرام منه إلى 140 ديناراً، في ظل ارتفاع عام لأسعار مواد الصيانة والحماية البحرية.
الطنارة.. ذاكرة مواسم التونة
يستحضر الصياد طرق الصيد التقليدية، موضحاً أن صيد التونة الكبيرة كان يتم سابقاً بطريقة تعرف باسم “الطنارة”، وهي شباك تُنصب في مواقع محددة وعلى أعماق تصل إلى نحو 30 متراً. ويُشير إلى أن موسم صيد التونة، الذي يبدأ عادة في شهر أبريل، لا يزال يستقطب صيادين من مختلف المناطق الليبية، نظراً للعائد الاقتصادي الذي يوفره رغم التحديات.
مجدودية المصانع
كانت كميات التونة المصطادة تُوجه سابقاً إلى مصانع محلية، من بينها مصنع جنزور، الذي يُعد أقدم مصنع لصناعة التونة، كما يروي الصياد. إلا أن الطاقة الاستيعابية المحدودة لهذه المصانع كانت تفرض سقفاً معيناً للكميات المستلمة يومياً. ورغم إشادته بجهود الشركة الليبية للصيد البحري التي كانت تُقدم مساعدات للصيادين، إلا أن هذا الواقع دفعهم إلى البحث عن منافذ أخرى لتصريف جزء من الإنتاج.
التجميد الحلقة المفقودة
يُشير الصياد إلى عقبة أخرى تتمثل في غياب أنظمة التجميد السريع التي تعتمد على تقنيات تبريد متطورة، وهي تجهيزات لا تتوفر لدى معظم قوارب الصيد المحلية. ويُوضح أن الاعتماد على الثلج التقليدي لا يكفي لتبريد الأسماك الكبيرة بصورة كاملة، مما قد يُؤدي إلى تراجع الجودة وخسارة جزء من القيمة التسويقية للمنتج.

سمكة بـ7000 دينار
خلال جولة داخل سوق باب البحر للأسماك، تتضح الصورة من زاوية أخرى. يُؤكد التاجر علي شيبه أن نقص وقود الديزل وارتفاع تكاليف التشغيل قد انعكسا بصورة مباشرة على أسعار التونة. ويُبين أن سعر السمكة كبيرة الحجم قد وصل هذا الموسم إلى نحو 7000 دينار، كحد أقصى بينما يُباع الكيلوغرام للمستهلك بنحو 33 ديناراً. ويتفق التاجر طه مع هذا الطرح، مضيفاً أن الأسعار ترتبط بعوامل العرض والطلب، إلا أن ارتفاع كلفة الصيد والعمالة والنقل قد ساهم بشكل رئيسي في زيادة الأسعار مقارنة بالمواسم السابقة.

أسعار مقبولة
في المقابل، تبدو الصورة أقل قتامة من وجهة نظر المستهلكين. يرى الحاج محمد الهادي، أحد زوار سوق السمك، أن أسعار التونة خلال الموسم الحالي ما تزال ضمن الحدود المقبولة مقارنة بأسعار اللحوم الحمراء. ويُشاركه الرأي خالد محمد، الذي يُؤكد أن توفر التونة في الأسواق قد ساهم في الحفاظ على استقرار الأسعار نسبياً، على الرغم من ارتفاع تكاليف الصيد والتشغيل التي يُعاني منها العاملون في القطاع.
يُشكل قطاع التونة في ليبيا تحدياً رئيسياً يتمثل في الانتقال من تصدير المادة الخام إلى الاستثمار في التصنيع المحلي، بما يضمن تحقيق عوائد اقتصادية أكبر واستفادة أوسع للاقتصاد الوطني من هذه الثروة البحرية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية