منصة الصباح

ليبيا بعد 2011: كيف نبني أمة من أنقاض الدولة؟

عبدالكريم العجمي

أكتب هذه السطور لا بصفتي مراقباً بعيداً عن المشهد الليبي، بل بصفتي مواطن ليبي يؤمن بأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس انهيار مؤسساته، وإنما انهيار إيمانه بنفسه.

منذ عام 2011 انشغل الليبيون بتقلبات المشهد السياسي والعسكري وتعدد الحكومات ومحاولات التوافق بينما ظل سؤال أكثر عمق غائبا وهو ماذا حدث لفكرة ليبيا ككيان جامع. فالأزمة لا تكمن فقط في تدمير البنية المادية للدولة بل في تآكل منظومة القيم والثقة والعلاقات الاجتماعية التي تشكل الأساس غير المرئي للدولة الحديثة. فالدولة ليست مؤسسات وقوانين فقط بل هي اتفاق ضمني بين المواطنين حول معنى الوطن والمصلحة العامة. وعندما يضعف هذا الاتفاق تتحول المؤسسات إلى هياكل شكلية غير قادرة على إنتاج الاستقرار.

ومن منظور تحليلي تعكس الحالة الليبية أزمة في بناء الدولة الوطنية الحديثة أكثر من كونها مجرد صراع سياسي. فقد كشفت السنوات الماضية هشاشة الرابط الوطني أمام صعود الهويات المحلية والقبلية والجهوية. وهذه الهويات ليست جديدة على المجتمع الليبي لكنها كانت جزءا من البنية الاجتماعية دون أن تلغي فكرة الدولة. أما اليوم فالمشكلة تكمن في تحولها إلى بدائل سياسية تتقدم على فكرة الوطن مما يعمق الانقسام ويضعف الهوية الجامعة.

كما أن الانقسام لم يعد حالة سياسية فقط بل تحول تدريجيا إلى ثقافة يومية. فقد نشأ جيل جديد في بيئة تدار فيها الخلافات بمنطق الغلبة لا القانون وتمنح فيها الأولوية للولاءات الضيقة على حساب الكفاءة. ويسود فيها خطاب التخوين والاتهام بدل الحوار والتفاهم. ومع الوقت يتحول هذا النمط إلى طريقة تفكير تعيد إنتاج الأزمة داخل المجتمع.

وتتحمل النخب الليبية جزءا كبيرا من المسؤولية. إذ لم تنجح في إنتاج مشروع وطني جامع بل انخرطت في إدارة الانقسام أو الاستفادة منه. وبدلا من تعزيز خطاب المواطنة تم إنتاج خطابات متصارعة عززت الاستقطاب وأضعفت الثقة الاجتماعية. وتراجعت فكرة الدولة لصالح صراع على السلطة دون اتفاق على شكل الدولة أو طبيعة المواطن المطلوب بناؤه.

وتوضح التجارب الدولية أن بناء الدول لا يقوم على التسويات السياسية فقط بل على مراجعات فكرية وأخلاقية عميقة. فالتجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية تظهر أن إعادة الإعمار لا تكفي وحدها بل يجب مواجهة الماضي وبناء وعي جديد. وقد لعب جيل 1968 دورا مهما في إعادة طرح أسئلة الهوية والمسؤولية والذاكرة.
أما رواندا فقد قدمت نموذجا مختلفا حيث انتقلت من واحدة من أبشع الإبادات إلى مشروع مصالحة وبناء دولة عبر التعليم وإعادة تشكيل الهوية الوطنية. وقد كان ذلك نتيجة قرار جماعي بتجاوز الكراهية نحو المستقبل.

في المقابل تكشف تجربة البوسنة أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة بناء دولة مستقرة. إذ استمرت الانقسامات القديمة تؤثر في الحياة السياسية والاجتماعية بسبب غياب مشروع وطني متكامل يعيد بناء الثقة والهوية المشتركة.
ومن هنا تبرز مسؤولية جيل الشباب وخاصة جيل Z وجيل ألفا. فهم أقل ارتباطا بصراعات الماضي وأكثر قدرة على التفاعل مع العالم المعاصر. ويعيشون في بيئة معرفية مفتوحة تدرك أن التنمية تقاس بجودة التعليم وقوة المؤسسات واحترام القانون لا بالشعارات.
لكن هذا الجيل يواجه تحديا خطيرا يتمثل في تآكل الأمل. فاستمرار الانقسام وضعف الدولة يؤديان إلى فقدان الثقة بالمستقبل. وأخطر أشكال الهجرة ليست مغادرة المكان بل مغادرة الأمل. وعندما يفقد الشباب الإيمان بإمكانية التغيير تصبح التنمية مجرد خطاب بلا أثر.
إن إعادة بناء ليبيا لا تبدأ من تشكيل حكومة جديدة أو اتفاق سياسي إضافي بل من إعادة بناء الإنسان الليبي نفسه. تبدأ من المدرسة التي تغرس قيم المواطنة ومن الجامعة التي تنتج التفكير النقدي ومن الإعلام الذي يعزز الحوار ومن النخب التي تعترف بالأخطاء قبل تحميلها للآخرين. فالدولة الحديثة لا تبنى بالقوة أو الموارد فقط بل تبنى بمواطن يؤمن بأن القانون فوق الجميع وأن الوطن أكبر من الجماعة وأن المستقبل أهم من الماضي.

وفي النهاية لا يتعلق السؤال بمن سيحكم ليبيا بل بأي ليبيا نريد أن نتركها للأجيال القادمة. فالمعركة الحقيقية ليست معركة سلطة بل معركة وعي. وإذا استطاعت الأجيال الجديدة تجاوز الانقسام وبناء هوية وطنية جامعة فقد تكون قادرة على إعادة بناء الدولة وإعادة تعريف معنى الوطن نفسه.

شاهد أيضاً

رصد لقلق أبيض يعبر ليبيا خلال رحلة هجرة موثقة بين إفريقيا وأوروبا

رصد لقلق أبيض يعبر ليبيا خلال رحلة هجرة موثقة بين إفريقيا وأوروبا

أعلنت الجمعية الليبية للطيور رصد طائر لقلق أبيض أثناء عبوره الأراضي الليبية ضمن مسار هجرته …