إعداد: سيف الإسلام الطوير
في كل كارثة، تبقى هناك قصة تختصر حجم المأساة أكثر من الأرقام والإحصاءات. وفي الزلزالين اللذين ضربا فنزويلا، لم تكن قصة اللاعب الأرجنتيني لوكاس تريخو مجرد خبر عن وفاة أفراد من عائلة، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القصص الإنسانية إيلامًا، بعدما انتهت رحلة بحثه المضنية عن زوجته وطفليه بخبر لم يكن يتمنى سماعه.

وبينما كانت فرق الإنقاذ تواصل عملها وسط الأنقاض، كان اللاعب يعيش أصعب مباراة في حياته، مباراة لم يكن فيها خصم ولا صافرة نهاية، بل انتظار طويل بين الأمل والخوف.
دقائق غيّرت حياة لاعب كرة قدم
كان لوكاس تريخو، مدافع نادي سبورت ماريتيمو دي لا غوايرا، بعيدًا عن منزله عندما ضرب الزلزال ولاية لا غوايرا، حيث كانت زوجته يانينا مارانيلا وطفلاه آرون وآينوا داخل المبنى السكني في منطقة بلايا غراندي.
وفي لحظات قليلة، انهار المبنى بالكامل، وانقطع الاتصال بعائلته، لتبدأ رحلة بحث يائسة امتدت لأكثر من ثلاثة أيام، وسط دمار واسع خلّفه الزلزال.

نداء استغاثة هزّ مواقع التواصل

لم يجد تريخو سوى منصات التواصل الاجتماعي ليطلب المساعدة. فنشر رسالة مؤثرة عبر حسابه على “إنستغرام”، ناشد فيها كل من يستطيع تقديم أي معلومة عن أسرته، مطالبًا بالدعاء لهم، بينما تداول آلاف الأشخاص رسالته على أمل أن تحمل الساعات المقبلة خبرًا يبدد مخاوفه.
وفي الوقت نفسه، تحولت قصته إلى قضية رأي عام داخل فنزويلا والأرجنتين، حيث تابعت وسائل الإعلام تطورات عمليات البحث لحظة بلحظة، وسط تضامن واسع من جماهير كرة القدم ولاعبين وأندية من مختلف الدول.
74 ساعة من البحث بين الأنقاض
لم ينتظر اللاعب أخبار فرق الإنقاذ فحسب، بل نزل بنفسه إلى موقع الانهيار، وشارك في إزالة الأنقاض إلى جانب متطوعين وزملائه، باحثًا عن أي إشارة قد تدل على نجاة أفراد أسرته.
ورغم مرور الساعات، بقي الأمل حاضرًا، خاصة مع استمرار عمليات الإنقاذ وانتشال ناجين من مواقع أخرى، إلا أن حجم الدمار وصعوبة الوصول إلى بعض أجزاء المبنى جعلا المهمة أكثر تعقيدًا.

وظلت العائلة والأصدقاء يترقبون أي خبر، بينما عاش والده وأقرباؤه في الأرجنتين ساعات من القلق والعجز، غير قادرين على فعل شيء سوى انتظار ما ستسفر عنه عمليات البحث.
النهاية التي لم يتمناها أحد
بعد نحو 74 ساعة من العمل المتواصل، أعلنت فرق الإنقاذ العثور على جثامين زوجته وطفليه تحت أنقاض المبنى المنهار، لتنتهي رحلة الانتظار بأقسى نهاية ممكنة.
وأصدر نادي سبورت ماريتيمو دي لا غوايرا بيانًا نعى فيه أفراد أسرة لاعبه، معبرًا عن تضامنه الكامل معه في هذه المحنة، فيما توالت رسائل التعزية من أندية ولاعبين وجماهير داخل فنزويلا وخارجها.
ولم تعد القصة مجرد خبر رياضي، بل أصبحت إحدى أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا في كارثة الزلزال.
من هو لوكاس تريخو؟
ويُعد لوكاس تريخو من المدافعين أصحاب الخبرة في الملاعب الفنزويلية. وُلد في مدينة قرطبة الأرجنتينية في 29 ديسمبر 1987، ويشغل مركز قلب الدفاع، ويتميز باللعب بالقدم اليسرى.

وخلال مسيرته الاحترافية، تنقل بين عدد من الأندية في إسبانيا واليونان والأرجنتين والولايات المتحدة وكولومبيا والمكسيك وبيرو، قبل أن يستقر في فنزويلا، حيث لعب لعدة فرق، أبرزها موناغاس، الذي ساهم معه في التتويج بلقب مرحلة الافتتاح للدوري الفنزويلي عام 2017.
وفي فبراير 2026، انضم إلى نادي سبورت ماريتيمو دي لا غوايرا، أحد أندية الدرجة الثانية الفنزويلية، بعقد يمتد حتى نهاية الموسم.
قصة أصبحت رمزًا لمأساة الزلزال
خلف الزلزالان عشرات القتلى والجرحى وآلاف المتضررين، لكن قصة لوكاس تريخو بقيت الأكثر تداولًا، لأنها جسدت الوجه الإنساني للكارثة بعيدًا عن الأرقام والإحصاءات.
فخلف كل حصيلة للضحايا توجد عائلة فقدت أحباءها، وأحلام توقفت فجأة، وحياة لن تعود كما كانت. وتحولت مأساة المدافع الأرجنتيني إلى تذكير مؤلم بأن الكوارث الطبيعية لا تدمر المباني فحسب، بل تترك جروحًا عميقة في حياة الناجين.
وربما سيعود لوكاس تريخو يومًا إلى ملاعب كرة القدم، لكن المباراة الأصعب في حياته انتهت بخسارة لا يمكن تعويضها، بعدما فقد في ساعات قليلة أغلى ما كان يملكه… عائلته.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية