منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

الديموغرافيا بوصفها مشروعًا للأمن الوطني

قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ردًا على منتقدي الاتفاق الأميركي الإيراني: “يرغبون في تحويل إيران إلى ما يشبه ليبيا، أي إلى دولة فاشلة تضم 90 مليون نسمة. هل سيكون تحويل إيران إلى ليبيا فارسية أمرًا جيدًا للولايات المتحدة؟ بالتأكيد لا”.

تكشف هذه العبارة جانبًا مهمًا من التفكير الاستراتيجي في السياسة الخارجية الأميركية، حيث تُقاس خيارات التدخل أو عدمه وفق حسابات المصلحة وكلفة الاستقرار أو الفوضى. كما تبرز أهمية العامل الديمغرافي في التقديرات الجيوسياسية؛ فالدولة التي تضم عشرات الملايين من السكان لا يمثل انهيارها خطرًا محليًا أو إقليميًا فحسب، بل قد يمتد أثره إلى النظام الدولي بأسره.

والدول الكبرى لا تنظر إلى السكان باعتبارهم رقمًا إحصائيًا فقط، بل بوصفهم عنصرًا حاسمًا في معادلة القوة والنفوذ، ومعه يتحدد اتساع السوق الداخلية، وتوافر الموارد البشرية، والعمق الاستراتيجي للدولة، وارتفاع كلفة الفوضى أو الانهيار بالنسبة للفاعلين الإقليميين والدوليين، كما أن حجم السكان لا يؤثر في حسابات الدول وحدها، بل يدخل أيضًا في قرارات الشركات العالمية، خصوصًا في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والاتصالات والصناعة، حيث ترتبط جاذبية الاستثمار مباشرة بحجم السوق والقدرة الاستهلاكية ووفرة الأيدي العاملة.

علينا التوقف عن ردود الفعل المؤقتة تجاه ما يقال عن بلادنا، ومواجهة السؤال المصيري: لماذا بقيت ليبيا خارج أي مشروع وطني جاد يستثمر هذا المورد الاستراتيجي؟

تمتلك بلادنا مقومات تؤهلها لبناء عمق ديمغرافي وطني مؤثر؛ فهي دولة واسعة المساحة، غنية بالموارد الطبيعية، وتشغل موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية. كما تتميز بتنوع بيئي وثقافي يمنحها فرصًا إضافية للنمو والاستقرار. وفي المقابل، تنامت الكتلة السكانية لدول الجوار طبيعيًا، أو بفضل سياسات تنموية واجتماعية دعمت تأسيس الأسرة واستدامتها، وربطت النمو السكاني بأهداف التنمية والأمن القومي.

إن ما تفتقر إليه بلادنا اليوم ليس الموارد أو الإمكانات، بل رؤية وطنية تعتبر الإنسان أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن النفط أو الموقع الجغرافي، وتسعى لتعظيم كتلتها البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاج واستهلاك واستقرار، بما يعزز قدرتها على الصمود في وجه الأزمات. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الديموغرافيا مجرد قضية اجتماعية، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني الليبي، وضمانة حقيقية لحماية الدولة من الهشاشة ومن أي محاولات لإعادة تشكيل تركيبتها السكانية أو التأثير في توازناتها الداخلية.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د. المهدي الخماس

مواطن لا تكسره الأزمات

صباح الجمعة: (حاول ان تقرأ كل المنشور وتستطيع الاتفاق والاختلاف). المواطن الليبي مر بأزمات عديدة …