منصة الصباح
عمر الجعفري.. ساحر النغم الليبي الذي صور الكلمة بالموسيقى
عمر الجعفري.. ساحر النغم الليبي الذي صور الكلمة بالموسيقى

عمر الجعفري.. ساحر النغم الليبي الذي صور الكلمة بالموسيقى

ثمة ألحان لا تخاطب الأذن بل تصفق لها القلوب، وتتسلل إلى ذاكرة الشعوب كأنها ولدت مع أنفاس الأرض تتردد في صفحات التاريخ ، وفي المشهد الموسيقي الليبي يبرز اسم الموسيقار والملحن الراحل عمر الجعفري المتوفى في 17 سبتمبر 2018 كعلامة فارقة وقامة استثنائية نجحت تقديم موسيقى شرقية متفردة في الهوية السمعية للأغنية و للدراما والمسرح في ليبيا ، ففي في الثلث الأخير من القرن العشرين ظل اسمه ينتج إرثا نغميا عميقا

بين “التنغيم” و”التلحين”.. فلسفة النغم الصادق

لم يكن عمر الجعفري مجرد صانع جمل موسيقية عابرة، بل كان ودون مبالغة يحمل رؤية و فلسفة عميقة لماهية الفن إذ كان يفرق دوماً بوعي بين “التنغيم” الشكلي و”التلحين” الحقيقي. التلحين عنده هو “تصوير حسي وجداني لكل جملة في النص الشعري، وبناء درامي متكامل من البداية إلى النهاية تجسده الموسيقى المصاحبة”.

من هذا المنطلق الأصيل، صاغ الجعفري أسلوبه الخاص الذي يمزج بين أصالة التراث الليبي و الموسيقى الشرقية التى ظل مهما في مدرستها ليكون مدرسة قائمة بذاتها ترتكز على الدراسة والموهبة والممارسة الشاقة.

من شاشة المنوعات إلى خشبة المسرح الاستعراضي

بدأت رحلة الجعفري مع مطلع السبعينات، وتحديداً عام 1971م عبر بوابة التلفزيون والمنوعات الرمضانية التي شكلت وجدان الجماهير كانت انطلاقته من خلال لوحات البرنامج الكوميدي الشهير “فكر واكسب” مع يوسف الغرياني و الراحل إسماعيل العجيلي

ولأنه يمتلك حساً درامياً مرناً، استطاع الجعفري رفد المسرح والدراما بألحان شديدة الخفة والعمق في آن واحد؛ فتعاون مع كبار نجوم الكوميديا والمسرح مثل فتحي كحلول، وسعد الجازوي، ولطفية إبراهيم، وخدوجة صبري، وخالد كافو، وعبد الباسط أبو قندة كما وضعت لمساته الموسيقية أبعاداً جمالية للمسرح الاستعراضي والدرامي، كما في مسرحيتي “النبع” و”محاكمة عبدان” للفنان الراحل محمد الجفيلي.

الأب الروحي للأصوات الواعدة..

يمتلك الجعفري عين خبيرة وأذناً لا تخطئ خامة الصوت الشجي؛ فقد كان الداعم الرئيسي الحقيقي للمطرب الشاب أيمن الأعتر منذ طفولته. حين استمع إليه لأول مرة في أغنية “وطنا”، التى لحنها خليفة الزليطني أدرك بحدسه الموسيقي أن هذا الصوت يحمل بريقاً عربياً واعداً.

ولم يتوقف عند حدود الإعجاب، بل احتضنه وقدم له أعمالاً قومية وعاطفية فارقة، مثل أغنية “وين الأمة”، وملحمة الانتفاضة “ما هي إرادة”، والأغنية العاطفية الشهيرة “يا بعاد الدار” من كلمات الشاعر محمد الفيتوري. بل إن الجعفري حرص بنفسه -خلال إحدى استضافاته الإذاعية- على التواصل مع الموسيقار اللبناني إلياس الرحباني قبل أسابيع من إعلان نتائج برنامج “سوبر ستار”، ليلفت انتباهه إلى طاقة الأعتر الاستثنائية التي توجته لاحقاً بلقب البرنامج.

جسر النغم بين طرابلس وعواصم الفن العربي

لم تنحصر عبقرية عمر الجعفري داخل الحدود المحلية، بل امتدت ألحانه لتشكل جسراً فنياً عبرته كوكبة من ألمع الأصوات العربية؛ فغنى من ألحانه علي الحجار، وأصالة نصري، وجوليا بطرس، وأمل عرفة، ومدحت صالح، وسوسن الحمامي، ومها البدري، إلى جانب قامات ليبية وعربية رحلت مثل الصوت الخالد ذكرى محمد، ومحمد رشيد، ومصطفى حمزة، وأميرة الليبية.

وفي أواخر عطائه الفني، قدم الجعفري إحدى أضخم الملاحم الغنائية وهي “طرابلس عروس البحر والنهر” من كلمات الشاعر علي جبريل، والتي امتدت على مدار 70 دقيقة وتضمنت 15 لوحة فنية استعراضية، واصفاً إياها بأحد أصدق الأعمال التي صور فيها الكلمة باللحن ورسخ من خلالها قيمة الهوية والتاريخ.

إرث يستعصي على الغياب

ورغم أن الجعفري أشار بمرارة ودودة في أحاديثه المتأخرة إلى غياب التكريم الرسمي المؤسسي، إلا أنه كان يرى أن التكريم الحقيقي والمدوي هو محبة المستمعين وسؤالهم الدائم عن جديد ألحانه.

رحل عمر الجعفري في 17 سبتمبر 2018م بعد رحلة طويلة مع المرض، لكنه ترك مكتبة موسيقية زاخرة بمئات الألحان التي تضج بالحياة، وذاكرة فنية تُثبت أن النغم الصادق المغموس بعرق الموهبة وروح الوطن لا يموت أبداً.

شاهد أيضاً

نسخة مصورة من البيان التوضيحي الرسمي الصادر عن الهيئة المركزية للرقابة الشرعية بمصرف ليبيا المركزي بشأن النقد الأجنبي وشهادات الإيداع.

الرقابة الشرعية بمصرف ليبيا المركزي تحسم موقفها من الأغراض الشخصية وشهادات الإيداع

أصدرت الهيئة المركزية للرقابة الشرعية بمصرف ليبيا المركزي بيانًا توضيحيًا بشأن موقفها الشرعي والفني من …