منصة الصباح
مزارع يرتدي قبعة يحصد سنابل الأرز الذهبية والخضراء باستخدام المنجل تحت أشعة الشمس في حقل زراعي
دراسة تحذر: التغير المناخي يُهدد محصول الأرز وخسائره تتجاوز التقديرات الدولية (مصدر الصورة من الانترنت)

خسائر وازمة تسببها درجات الحرارة في محصول الأرز عالميا ؟

يبدو النبات يانعاً، أوراقه خضراء ممتدة، وسيقانه منتصبة بثبات تحت أشعة الشمس. غير أن هذا المظهر البراق يخفي خلفه كارثة زراعية صامتة  فالحبوب في الداخل فارغة، والإنتاج المأمول يتبخر.هكذا تبدو الساحة الخلفية لأزمة غذاء عالمية تلوح في الأفق. وفقاً لدراسة حديثة نشرتها مجلة “ساينس أدفانسز” (Science Advances)، فإن القوت اليومي لأكثر من نصف سكان كوكب الأرض بات في مواجهة مباشرة مع التغير المناخي، ولكن بدرجة من الخطورة أكبر بكثير مما كانت تقرّه النماذج العلمية السابقة.المشكلة، كما يوضح الباحثون، لا تكمن فقط في الارتفاع العام لمتوسط درجات الحرارة خلال الموسم، بل في “عنصر الوقت” وعدد الأيام المتواصلة التي يتعرض فيها المحصول لدرجات حرارة تتجاوز حاجز الـ 30 درجة مئوية.

اللحظة القاتلة

انطلق فريق بحثي يقوده فينغ جو، أستاذ الجيوكيمياء الحيوية في جامعة بكين، من تساؤل محوري: لماذا تتضارب التقديرات العالمية حول حجم خسائر الأرز الناجمة عن الاحترار؟
ولفك هذا اللغز، جمع الفريق أكبر قاعدة بيانات ميدانية من نوعها، شملت 214 مقارنة بين حقول عادية وأخرى عُرّضت للحرارة المرتفعة عبر 12 موقعاً رئيسياً لزراعة الأرز في الصين ودول أخرى. وكانت النتيجة مفاجئة: الأرز لا يتأثر بالحرارة بالشكل نفسه طوال فترة حياته.
في المرحلة الأولى (النمو الخضري)، تتحمل الأوراق والسيقان العبء، لكن الخطر الأكبر والمميت يضرب في “مرحلة التكاثر”—تلك اللحظة الحساسة التي تتكون فيها السنابل وتتشكل الحبوب. هنا، تُعطل الحرارة المرتفعة عملية نقل الكربون والنيتروجين داخل النبات، وتمنع وصول الغذاء إلى الحبوب.يقول فينغ جو: “قد يظل النبات واقفا وأخضر، لكنه يعجز عن تحويل طاقته إلى حبوب. المشكلة ليست في حجم النبات، بل في قدرته على ملء الحبوب نفسها”.وأظهر التحليل أن يوماً واحداً إضافياً فوق 30 درجة مئوية خلال هذه المرحلة الحرجة كفيل بخفض محصول الحقل بنسبة تتراوح بين 1.1% و1.8%.

خطأ في الحسابات.. الخطر مضاعف

الكشف الأكثر إثارة للقلق في التقرير تمثل في التقييم العكسي للنماذج المناخية التي تعتمدها المؤسسات الدولية لتوقع إنتاج الغذاء. وجد الباحثون أن هذه النماذج كانت تعاني من “انحياز” يُقلل بشكل حاد من حساسية الأرز للحرارة.وبعد تصحيح هذه الخوارزميات، قفزت التقديرات بشكل مرعب: إن ارتفاع حرارة كوكب الأرض بمقدار درجة مئوية واحدة فقط قد يؤدي إلى انخفاض محصول الأرز العالمي بنسبة 8.1%، وليس 3.8% كما كان يُعتقد سابقاً. نحن أمام أزمة يعادل حجمها ضعف ما كان مدوناً في خطط الطوارئ الدولية.

خريطة الهشاشة

تتصدر جنوب وجنوب شرق آسيا قائمة المناطق الأكثر عرضة للخطر؛ حيث ارتفعت تقديرات الخسائر المتوقعة في دول مثل الهند وباكستان وبنغلاديش إلى 6.6%، بينما بلغت في تايلاند والفلبين وميانمار نحو 7.7%. في المقابل، أظهرت الحقول في الصين واليابان مرونة نسبية أكبر أمام هذا الانحياز.وعلى الرغم من أن الدراسة تسلط الضوء على حلول ممكنة—مثل تطوير أصناف أرز أسرع تكيفاً مع الحرارة، وتحسين نظم الري وجودة التربة لتخفيف الإجهاد الحراري—إلا أن الباحثين يقرون بوجود ثغرات؛ فالدراسة اعتمدت بشكل أساسي على الحقول المروية، بينما قد تكون الحقول التي تعتمد على مياه الأمطار أمام سيناريو أكثر قسوة يجمع بين الحرارة الشديدة والجفاف.في النهاية، يبعث هذا التقرير بشرارة إنذار للسياسيين وصناع القرار حول العالم: إن سلة غذاء الملايين لا تواجه مجرد جفاف عابر، بل إنزلاقاً متسارعاً نحو أزمة أمن غذائي قد تدفع ملايين البشر إلى حافة الجوع إذا لم تُتخذ خطوات استباقية لإعادة صياغة الزراعة العالمية.

شاهد أيضاً

أعضاء اللجنة الوطنية المكلفة بإعداد الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر

لجنة الهيدروجين الأخضر تستعد لرفع تقريرها لرئاسة الحكومة

تواصل ليبيا خطواتها التنفيذية نحو وضع موطئ قدم على خريطة الطاقة النظيفة الإقليمية والدولية؛ حيث …