أخبارألرئيسيةالثقافيةجمال الزائديرأي

ضد العبث..

أشرعة

بقلم / جمال الزائدي

بالصدفة عثرت في مكتبتي على كتاب «جمعية عمر المختار ..طموح للمعارضة الديمقراطية في مجتمع تقليدي» للطبيب محمد المفتي ،فقررت قراءته مع معرفتي بالأسلوب الانطباعي الشخصي الذي ينتهجه المفتي في مقاربة التاريخ السياسي الوطني المعاصر ، ولم يخب ظني ..فقد وجدته مكتظا بالأسطر المسمومة التي يتكرر فيها التلميح إلى عمالة الزعيم الراحل « بشير السعداوي» للإنجليز وهو الأمر الذي سبق وأن فصل فيه وأطنب عبر كتابه السابق الموسوم « المؤتمر والسعداوي بين التمجيد والنسيان «.. لا يعنيني البحث في اسباب إصرار المفتي على هذا الإتهام البائس الذي لم يقدم بين يديه دليل إثبات واحد ، ولا حتى النبرة الجهوية المستفزة التي يسبغها على صفحات من التاريخ السياسي الحديث ..لكنني استغرب كيف يسكت أرباب صنعة التأريخ من بحاث وأكاديميين على هذا العبث الذي يشوه الرموز ويزيف التاريخ ويعيد كتابة أهم فصوله ومحطاته تبعا لمزاج طبيب – لا أعلم إن كان فاشلا ام ماهرا – قرر ان يترك السماعة والمشرط ويتفرغ لتعميق الجهل والزيف في عقول الليبيين.

لقد أصدر السيد مصطفى السراج  سنة 2006  كتابا بعنوان « السعداوي والمؤتمر …وضع النقاط على الحروف «  رد خلاله على مغالطات المفتي حول المؤتمر والزعيم..وانصف فيه رفيق دربه والمرحلة بأكملها.. «

ما يشد الانتباه في الرد الموضوعي الذي خلفه مصطفى السراج قبل رحيله، هو حالة التشابه حد التطابق بين الأوضاع وشكل الصراعات والتداخلات التي عاشتها البلاد قبيل الاستقلال، وبين ما نعيشه الآن.. الفارق الوحيد بين الحالين أنه برغم المؤامرة وفداحة التشظي في تلك المرحلة، فلقد توفر لليبيا رجال صادقين وزعامات حقيقية استطاعت بالحكمة والوعي والصبر أن تعبر بالسفينة بين أهوال العواصف لترسوا بها على شاطيء الوحدة والاستقلال..

هؤلاء الرجال كان على رأسهم الرجل الذي جاء الكتاب كمحاولة لإنصافه أمام محاولات التشكيك والتشويه المشوب بأغراض جهوية و ولاءات سياسية واجتماعية متعددة ، هو  « بشير إبراهيم السعداوي « المولود سنة 1884 م بمدينة الخمس .. والذي ذاق مرارات المنافي والملاحقة في سبيل قضية بلاده الأم..

ما أجدرنا بالإصغاء إلى كلماته الحكيمة المتوازنة مخاطبا جموع شعبنا بالأمس واليوم ، يقول في احد أحاديثه الواردة في كتاب السيد مصطفى السراج « يجب على ليبيا أن تتكتل وتحافظ على وحدتها بأجزائها الثلاثة برقة وطرابلس وفزان ، وأن تنتزع استقلالها انتزاعا ، فالاستقلال هو الحرية والحرية تؤخذ ولا تعطى..

إن إعادة قراءة التاريخ الليبي بالموضوعية والحياد اللازمين ، وبعيدا عن مشاعر الاصطفاف السياسي أو الجهوي أو القبلي ، قمين بأن يهبنا الدروس والعبر التي نحتاجها لمواجهة هذه التحديات الخطيرة التي تكتنف حاضر ومستقبل بلادنا ..كما أن إعادة الاعتبار للرموز والشخصيات الوطنية التي ساهمت في العمل السياسي طوال العقود الماضية أمر لا غنى عنه  لتشكيل الوجدان والهوية الليبية على أسس ومباديء تجمع ولا تفرق ..فنحن لا نملك ترف ممارسة الانتقائية المرتهنة لوجهة نظر سياسية او ايديولوجية ، في كتابة تاريخنا الوطني إذا كنا جادين في معالجة هذه الشروخ العميقة ….

السعداوي وآخرون جاءوا ، قبله وبعده لا يحتاجون لإنصافنا لهم ، فلن يصلهم منه شيء ، لكن نحن من يحتاج إلى إنصافهم و إنصاف عقولنا وعقول أجيالنا الجديدة أمام موجات الحقد التي تأكل ماضينا وحاضرنا وتكاد تأتي على مستقبلنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى