ذاكرة الألم لا تُخطئ ولا تُجامل ولا تنسى، هي الذاكرة التي تُكتب بالوجع وليس بالحبر وتُحفظ في الأرواح والأنفس وليس في الكتب ولا تُروى للتاريخ إنما لتمنع تكراره وفي لحظة من تلك الذاكرة حين كانت الحياة تُدار على حافة الغياب وكانت الدولة ظلًا خفيفًا لا يُرى وكانت المعرفة حكاية تُروى وليس علمًا يُدرس، وقعت حادثة كتبت عنها من قبل وهي صغيرة في ظاهرها عظيمة في معناها داخل فضاء الاحتلال الإيطالي لليبيا وامتداداته اللاحقة حين انتقلت الإدارة إلى الإدارة البريطانية في ليبيا، حيث لا نظام صحي شامل ولا سجل ولا تغطية ولا مؤسسات تحمي الإنسان، كانت خدمات محدودة حول المستعمرات وبعض مرافق في طرابلس وبنغازي وحيث يعيش الفلاح الليبي في خيمة أو عشة أو كوخ بسيط ويواجه المرض كما يواجه العطش والريح باعتباره قدرًا يُحتمل وليس خطرًا يُدار، هناك لم تكن الكارثة قد أعلنت نفسها بعد كانت كامنة في صدور تتنفس بصعوبة وفي حمى تتصاعد وفي أجساد تُنهك بصمت حتى مر مستوطن إيطالي اسمه فاكنيتي ومعه ابنه فريدو لا يحملان خطة إنقاذ ولا مشروع دولة كان يحملان عينا رأت وضميرًا استيقظ وما بين الرؤية والضمير تبدأ أحيانًا قصة نجاة شعوب ، اكتشف الرجل ما تعود الناس أن يتجاهلوه لأن القهر الطويل يُطبع الإنسان على احتمال ما لا يُحتمل، استدعى الطبيب فجاء العلم إلى مكان لم يعرفه وأُجريت الفحوصات فانكشف المستور عدوى حادة تضرب الجهاز التنفسي وحمى تشتعل ونسب وفيات مرتفعة ونجع كامل يقف على حافة الفناء، وهنا تتجلى ذاكرة الألم في أوضح صورها، الصدفة أن يمر أحدهم فيرى والمسؤولية أن لا يمر مرور العابرين ، يتوقف ويتدخل ويُحول الرؤية إلى فعل ويُحول القلق إلى قرار، ولم يكتف الرجل بالمشاهدة ولم يكتف الطبيب بالتشخيص إنما ارتفع الفعل إلى مستوى الدولة فتم إبلاغ السلطات القائمة آنذاك وتحركت الآلة الإدارية بما توفر لديها من إمكانات بسيطة لكنها حاسمة عزل وإخلاء وتطهير ونقل للحالات إلى مرافق كانت محدودة ومغلقة على غير عادة لكنها فُتحت لأن الخطر لا ينتظر اكتمال النظم بل يفرضها ، تعلمنا ذاكرة الألم أن المرض لا ينتظر وأن الفقر لا يُفاوض وأن الجهل لا يُعذر وأن غياب الدولة ليس فراغا بل خطر وأن من رأى وسكت شارك وأن من علم وتأخر قصر وأن من استطاع ولم يفعل تخلى وتعلمنا أن الكوخ والخيمة ليست مجرد مأوى إنها شهادة على غياب العدالة وأن الحمى ليست مجرد عرض هي إنذار لنظام لم يُبنى وأن الموت بصمت نتيجة وليس قدرا ، وفي هذا المشهد تتعرى الفوارق بين عالمين عالم يُدار بمنطق الحق وعالم يُدار بمنطق السوق، في عالم الحق يظهر الطبيب مؤتمنًا على الحياة وليس مُسوقًا لها، ويظهر رب العمل في وجهه الإنساني لا في حساباته الضيقة، وتتحرك السلطة لحماية الناس لا لإدارة أرقامهم، ويستجيب المجتمع بسرعة لأن الخطر مشترك والمسؤولية جماعية، أما في عالم السوق الذي نعيشه فإن المرض يتحول إلى فرصة، والإنسان إلى رقم ، والقرار إلى معادلة ربح وخسارة، ويتأخر التدخل حتى تتكامل الشروط وتُغلق الميزانيات وتُحسم الإجراءات، وحينها لا تكون الكارثة مفاجأة إنما نتيجة حتمية،
وتعلمنا ذاكرة الألم أن فعلًا واحدًا صادقًا قد يُنقذ الآلاف، وأن قرارًا في لحظة قد يُغير مصير أمة، وأن ضميرًا حيًا قد يكون أقوى من نظام غائب، لكنها تعلمنا أيضًا أن الإنسانية وحدها لا تكفي إن لم تتحول إلى نظام، وأن النجاة بالصدفة لا تُبني مستقبلًا، وأن الاعتماد على المبادرات الفردية مقامرة بالحياة، والدرس الأكبر أن الصحة حين لا تكون حقًا تتحول إلى مأساة، وأن الدولة حين لا تحضر يحضر الموت، وأن الحق حين لا يُحمى يتحول إلى ذكرى، وأن الأمم التي لا تتعلم من ألمها تُعيد كتابته بدمع ودم، وأن المجتمعات التي تتعايش مع المأساة تجعلها جزءًا من هويتها، ذاكرة الألم لا تُستدعى للبكاء إنما لتكون دليلًا وإنذارًا وخريطة طريق لكي لا نعود إلى البؤس والفقر والمرض ولا ننتظر الصدفة ولا نُسلم الحياة لغياب النظام ، إنما نبني دولة ترى قبل أن تقع الكارثة، وتتحرك قبل أن تتسع وتُؤسس لحق لا يُترك للظروف ولا يُعلق على مبادرة ويُصان بمنظومة تحمي الإنسان في كل زمان ومكان وهكذا تقول ذاكرة الألم بوضوح لا يقبل التأويل ابنوا الدولة واحموا الإنسان واجعلوا الصحة حقًا لأن البديل ليس مجرد تراجع فالبديل عودة كاملة إلى نقطة الصفر حيث يبدأ الألم من جديد أشد وأقسى وبثمن أكبر وذاكرة أثقل، وإن لم نتعلم فإن الحياة لا تُعيد الدرس كما هو بل تُعيده أقسى وأشد وأوضح حتى يُفهم إذا حضر العقل والحكمة، والسؤال الذي أختم به هل نحن أقسى على أنفسنا من الاستعمار والظروف؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية