منصة الصباح

حكايات درنة.. تراجيديا الجرح الذي لم يندمل

تقرير | سعاد الفرجاني

ثمة مآسٍ لا تنتهي بانتهاء لحظتها، تبقى في ذاكرة المدن وفي حياة من نجوا منها، وتظهر كلما عادت التفاصيل إلى الواجهة. وهذا ما تركه إعصار دانيال في درنة؛ فبعد أن اجتاحت السيول الجارفة المدينة في 11 سبتمبر 2023، خلفت وراءها عائلات فقدت أفرادًا منها، وأطفالًا فقدوا آباءهم وأمهاتهم وأقاربهم، وناجين حملوا معهم ذاكرة قاسية عن ساعات تغيرت بعدها حياتهم إلى الأبد

جانب من آثار إعصار درنة

استعادت درنة جزءًا من ملامحها مع أعمال الإعمار، لكن استعادة المكان لا تعني بالضرورة استعادة الحياة كما كانت. فما بقي في ذاكرة الأطفال الذين عاشوا الكارثة يتجاوز مشهد الخراب؛ إنه فقدٌ مبكر، وخوفٌ طويل، وأسئلة لم تجد دائمًا إجابات.

ومن بين هؤلاء الأطفال، تتقدم حكايات اختصرت في تفاصيلها مأساة مدينة كاملة؛ حكايات عن الفقد والنجاة، وعن أطفال وجدوا أنفسهم بعد تلك الليلة أمام حياة مختلفة تمامًا.

شهادات ننقلها بلسان أصحابها من خلال السيدة حميدة البنزوطي المشرفة على دور احد ضحايا السيل

في لمح البصر

يروي الطفل البراء أبو حمرة كيف اجتاحت المياه منزله، قبل أن يجد نفسه مع جيرانه فوق سطح إحدى العمارات، يراقب انهيار المباني من حوله.

كان يبحث عن عائلته وسط الفوضى، بينما تتساقط الجثث أمام عينيه. يقول إن المشهد بدا له «مثل فيلم رعب».

عثر عليه أحد جيرانه وأنقذه، قبل أن يصل إلى الساحل. لكنه لم يخرج من الكارثة كما دخلها؛ فقد والده ووالدته وأعمامه، ولم ينج من أسرته سواه.

تتولى جدته لأمه، إيمان بن خيال، رعايته منذ ذلك اليوم. وتقول إن البراء لا يزال يستعيد تفاصيل الساعات التي فقد فيها عائلته، وإن آثارها لم تغادره.

الطفل حامد الشاعري الناجي الوحيد

وادي الشواعر

ولاتختلف قصة الطفل حامد الشاعري الناجي الوحيد عن الأطفال الذين واجهوا السيل مباشرة. يروي أنه التفت إلى الخلف، فرأى موجة عاتية تجرف جدته وتسقطها في الوادي.

انقطع الاتصال بعد ذلك. ولم يسمع والده منه سوى كلمات قليلة قبل أن يختفي صوته وسط الفوضى. وعندما عُثر عليه، كان سؤاله الأول: «أين جدي وجدتي؟»

نجا حامد، لكن صورة المياه وهي تجرف أفراد أسرته بقيت حاضرة في ذاكرته. ويقول المقربون منه إن الخوف من تكرار المشهد ما زال يرافقه.

غياب بلا وداع

وتروي السيدة حميدة أن السيول اجتاحت العمارة التي كان يقيم فيها رمضان بن حميدي وزوجته. لم يُمهلهما السيل وقتًا للنجاة، وجرفهما مع المبنى.

كانت العمارة تضم عائلات عدة، بينهم أطفال قضوا في الكارثة. وبعد انحسار المياه، لم يبق من المكان سوى مبنى مهدّم وذكريات أسر اختفت في لحظات.

تقول حميدة إن قصة الزوجين لا تزال حاضرة في ذاكرة درنة، مثل قصص عائلات كثيرة فقدت أفرادها في تلك الساعات.

الطفلة ياسمين

 

ياسمين.. حين يتكلم البكاء

لم تحتاج ياسمين إلى كلمات كثيرة لتروي ما عاشته. كان بكاؤها ومناجاتها كافيين للكشف عن خوف طفلة وجدت نفسها أمام كارثة لم تستطع إدراك حجمها، لكنها شعرت بثقلها كاملًا.

ظل صوتها واحدًا من الأصوات التي تختصر مأساة أطفال درنة؛ طفلة تبحث عن الأمان بعدما انهار كل ما كان يمنحها إياه.

رمضان بن حميدي

سراج.. بين الخوف والنجاة

ظل البحث عن سراج مستمرًا وسط الركام والمياه، إلى أن تحولت لحظة العثور عليه إلى بارقة أمل في مدينة غلبها الفقد.

لكن النجاة لم تمحُ ما عاشه في قلب الكارثة. فبالنسبة إلى كثير من الأطفال، لم تنتهِ المأساة بانحسار المياه، بل بدأت بعدها مرحلة طويلة من الخوف والفقد ومحاولة استعادة الحياة.

الاستجابة واحتياجات الأطفال

منذ الأيام الأولى، ركزت الاستجابة الإنسانية على إنقاذ الأطفال وتوفير المياه الآمنة والرعاية الصحية والغذاء ومستلزمات النظافة، إلى جانب دعم التعليم والحماية والرعاية النفسية.

وفي درنة تحديدًا، شملت استجابة اليونيسف إنشاء 10 مساحات تعليمية مؤقتة، وتوفير حقائب مدرسية لـ1,000 طفل نازح، لمساعدة الأطفال على استعادة مسارهم التعليمي بعد الفيضانات.

وتواصل دعم التعليم في المدينة خلال مراحل التعافي، إذ دعمت اليونيسف إنشاء 16 فصلًا دراسيًا جاهزًا في درنة، كما شملت برامجها 413 معلمًا في المدينة بتدريبات مرتبطة بالرفاه والدعم النفسي.

ولم تقتصر الاحتياجات على المساعدات المادية. فالأطفال الذين فقدوا بيوتهم أو أفرادًا من عائلاتهم احتاجوا أيضًا إلى الدعم النفسي، وإلى العودة إلى المدارس، وإلى أماكن آمنة تساعدهم على استعادة حياتهم اليومية.

ما بعد الفاجعة

بعد انحسار السيول، انتقلت المعركة من إنقاذ الأرواح إلى ترميم ما تركته الكارثة خلفها. أغلقت مدارس، وتضررت مرافق صحية، وانقطعت شبكات مياه، وتهدمت منازل كانت تؤوي أسرًا كاملة.

ومع بداية التعافي، اتجهت الجهود إلى إعادة تأهيل المدارس والمرافق الصحية، وتحسين الوصول إلى المياه، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والأسر المتضررة.

وتشير اليونيسف إلى أن التعافي في درنة يشمل إعادة تأهيل المدارس والمرافق الصحية وتحسين الوصول إلى المياه، إلى جانب توفير الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والأسر المتضررة.

عادت المدينة وبقيت الذاكرة

تتعافى المدينة، لكن المأساة لا تُقاس بما عاد إلى درنة من حجر، بل بما بقي في قلوب من نجوا. وفي حكايات أطفالها، تظل تراجيديا تلك الليلة حاضرة؛ فقد غاب من أحبوا، وبقي من نجا يحمل الحكاية

شاهد أيضاً

رجل مسن يجلس حزيناً وممسكاً برأسه وبيده كيس خضروات قليل أمام معروضات الخضروات الطازجة المتنوعة في السوق.

حين يعجز المواطن عن شراء الخضراوات.. إلى متى؟ وأين الرقابة؟

تقرير / مني عريبي لم يعد دخول المواطن الليبي إلى سوق الخضروات مجرد رحلة قصيرة …