تقرير / مني عريبي
لم يعد دخول المواطن الليبي إلى سوق الخضروات مجرد رحلة قصيرة لشراء احتياجات المنزل، بل أصبح في كثير من الأحيان عملية حسابية شاقة؛ ينظر إلى الأسعار، يقارن بينها، ثم يبدأ في ترتيب الأولويات: ماذا سيشتري؟ وماذا سيترك؟ وكم سيتبقى من راتبه بعد أن ينتهي من قائمة الاحتياجات الأساسية؟
فالطماطم والبطاطا والبصل والخيار والفلفل، وغيرها من الخضروات التي كانت حاضرة بصورة طبيعية على موائد الأسر الليبية، أصبحت أسعارها محل شكوى متكررة، وسط شعور متزايد لدى المواطنين بأن السوق يتحرك بسرعة أكبر من قدرة دخولهم على مجاراة موجة الغلاء.
المشكلة، كما يراها المواطن، ليست فقط في ارتفاع سعر سلعة بعينها، وإنما في التغير المتكرر للأسعار وتراكم الزيادات، في وقت لا تتغير فيه دخول كثير من الأسر بالسرعة نفسها..
من يتحمل مسؤولية الغلاء؟
لا يمكن اختزال ارتفاع أسعار الخضروات في سبب واحد أو تحميل التجار وحدهم المسؤولية؛ فالسوق الليبي يتأثر بعوامل متعددة، من بينها تكاليف الإنتاج الزراعي، وأسعار المبيدات والأسمدة، والوقود، والنقل، والكهرباء، وتوافر المعروض، إضافة إلى حركة الاستيراد وأسعار الصرف وتعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك.
وتكشف تطورات القطاع الزراعي في عدد من المناطق أن أزمة الكهرباء والوقود أصبحت عاملًا إضافيًا يرفع تكاليف الإنتاج والنقل، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المواطن في السوق.
لكن وجود أسباب اقتصادية حقيقية لا يعني أن السوق يجب أن يترك بلا رقابة، ولا أن يتحول المواطن إلى الطرف الذي يدفع ثمن كل خلل في سلسلة الإنتاج والتوزيع..
أين تقف الرقابة؟
هنا يعود السؤال الذي يطرحه المواطن بإلحاح:
إذا كانت هناك جهات تراقب الأسعار، فلماذا لا يشعر المواطن بأن جيبه محمي؟
وزارة الاقتصاد والتجارة أعلنت خلال يونيو 2026 توسيع نطاق عمل المرصد الوطني للأسعار ليشمل 40 بلدية، مع رصد 71 سلعة أساسية وتسجيل أكثر من خمسة آلاف عملية رصد ميداني، ضمن خطة للتوسع تدريجيًا لتغطية مختلف البلديات..
كما تابعت الوزارة مع جهاز الحرس البلدي تنفيذ قرار إشهار أسعار بعض السلع الأساسية، إلى جانب تنظيم قنوات التوزيع ومتابعة الالتزام بالقرارات المنظمة للسوق.
وهذه خطوات مهمة من حيث المبدأ، لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل الرصد والقرارات إلى نتائج يشعر بها المواطن في السوق..
الحرس البلدي.. بين ضبط المخالفات وتعقيدات السوق
ولا يمكن تجاهل الدور الذي يقوم به جهاز الحرس البلدي في متابعة الأسواق وضبط المخالفات. فقد شهدت الأشهر الماضية تحركات ميدانية لمتابعة أسعار الخضروات، بينها حملات على أسعار الطماطم، كما جرى في بعض الحالات الاتفاق مع مزارعين وتجار جملة على خفض أسعار بعض المنتجات.
وفي مارس الماضي، شهدت أسعار الطماطم تحركات حادة دفعت فروعًا للحرس البلدي إلى التدخل؛ ففي أبوسليم مثلًا جرى تحديد سقف لبيع الطماطم عند 6 دنانير للكيلوغرام، مع التحذير من الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
لكن في المقابل، ظهرت إشكالية مهمة تتعلق بغياب تسعيرة رسمية موحدة ومحدثة لجميع السلع، وهو ما يجعل تحديد المخالفة في بعض الحالات أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تختلف الأسعار تبعًا لتكاليف الإنتاج والنقل والجملة والتجزئة.
وهنا تظهر الحاجة إلى منظومة رقابية أكثر وضوحًا: أسعار معلنة، ومبررات واضحة لأي زيادة، وسلسلة توزيع يمكن تتبعها من المنتج إلى المستهلك..
المشكلة ليست في السعر وحده.. بل في غياب الوضوح
المواطن لا يطالب بأن تكون أسعار الخضروات ثابتة طوال العام؛ فهو يدرك أن الطماطم مثلًا منتج زراعي يتأثر بالموسم والإنتاج والنقل والعرض والطلب.
لكن ما يريده هو أن يعرف:
لماذا ارتفع السعر؟ ومن الذي رفعه؟ وهل الزيادة حقيقية أم مبالغ فيها؟
فإذا ارتفعت تكلفة النقل، يجب أن تكون الزيادة قابلة للتفسير. وإذا ارتفعت تكاليف الإنتاج، يجب أن يكون أثرها واضحًا. وإذا كان هناك نقص في المعروض، فمن حق المستهلك أن يعرف ذلك..
أما أن يتباين السعر من تاجر إلى آخر، ومن سوق إلى سوق، دون وضوح كافٍ حول أسباب الفارق، فإن ذلك يفتح الباب أمام المضاربة والاستغلال ويزيد من فقدان الثقة بين المواطن والسوق..
راتب ثابت وسوق متحرك
المشكلة الأكبر أن المواطن لا يواجه ارتفاع أسعار الخضروات منفردًا، وإنما يواجه في الوقت ذاته ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والخدمات والاحتياجات اليومية.
ومع كل زيادة جديدة، تتراجع القدرة الشرائية للدخل، ويصبح الراتب الذي كان يكفي الأسرة في السابق أقل قدرة على تغطية احتياجاتها..
وهنا تتحول الخضروات من مجرد سلعة يومية إلى مؤشر محسوس على الوضع الاقتصادي للمواطن؛ فحين يصبح شراء كيلو من الخضروات قرارًا يحتاج إلى حساب دقيق، فإن الأمر لم يعد مجرد حركة سعرية عابرة، بل قضية تمس الأمن المعيشي للأسرة..
ماذا يجب أن تفعل الجهات الرقابية؟
المطلوب اليوم لا يقتصر على حملات تفتيش تظهر عند حدوث موجة ارتفاع ثم تتراجع، وإنما يحتاج السوق إلى رقابة مستمرة وشفافة..
ويأتي في مقدمة ذلك:
نشر أسعار استرشادية ومحدثة بصورة دورية.
مراقبة سلسلة الأسعار من المنتج إلى تاجر الجملة ثم التجزئة.
التحقق من فواتير الشراء والتكاليف الفعلية عند وجود زيادات كبيرة.
مكافحة الاحتكار والمضاربة غير المشروعة.
إلزام المحال بإشهار الأسعار بوضوح.
توسيع نطاق الرصد ليشمل جميع المناطق، لا أن تبقى المتابعة مركزة في عدد محدود من البلديات..
الإعلان للرأي العام عن نتائج الحملات والإجراءات المتخذة بحق المخالفين.
وفي الوقت ذاته، تحتاج الدولة إلى معالجة الأسباب التي ترفع تكلفة الإنتاج أصلًا، وعلى رأسها استقرار الكهرباء وتوافر الوقود ودعم الإنتاج الزراعي وتحسين النقل والتخزين، لأن الرقابة وحدها لا تستطيع خفض سعر منتج ترتفع تكلفته من الأساس..
السؤال الذي ينتظر المواطن إجابة عنه
بينما تتحدث الجهات الرسمية عن مراصد للأسعار وحملات تفتيش وقرارات لتنظيم السوق، يبقى السؤال الأهم مطروحًا في الشارع:
هل يشعر المواطن فعلًا بنتائج هذه الإجراءات؟
فالمواطن لا يريد سوقًا بلا أزمات، ولا يطالب بأن تختفي العوامل الاقتصادية التي تؤثر في الأسعار، لكنه يريد سوقًا عادلًا وشفافًا، يعرف فيه لماذا يدفع هذا السعر، ومن المسؤول عن الزيادة غير المبررة، ومن يحميه عندما يتحول الغلاء إلى استغلال..
وفي النهاية، فإن مسؤولية ضبط الأسعار ليست مسؤولية جهة واحدة؛ وزارة الاقتصاد معنية بتنظيم السوق ومتابعته، والحرس البلدي معني بالرقابة الميدانية وإنفاذ القواعد في نطاق اختصاصه، بينما ترتبط تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة والزراعة بجهات أخرى..
لكن المواطن لا يعنيه كثيرًا تعدد الجهات بقدر ما يعنيه أن يرى نتيجة واحدة واضحة: أسعارًا منطقية، رقابة فعالة، ومحاسبة حقيقية عند وجود مخالفات.
فإلى متى سيظل المواطن الليبي يدفع ثمن كل حلقة في سلسلة ارتفاع الأسعار؟
ومتى ينتقل ملف الأسعار من مجرد الرصد والتشخيص إلى إجراءات ملموسة تجعل المواطن يشعر أن هناك من يراقب السوق فعلًا ويحمي قدرته على شراء أبسط احتياجاته؟
ذلك هو السؤال الذي لا ينبغي أن يبقى بلا إجابة..
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية