إعداد | سعاد الفرجاني
ذكرى وسيرة
تستقبل مدن ليبيا ذكرى المولد النبوي الشريف بعادات دينية واجتماعية متوارثة، تمتزج فيها قراءة السيرة النبوية والذكر والمدائح بالزيارات العائلية وفرحة الأطفال، لتتحول المناسبة إلى مساحة لاستحضار سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما تحمله من قيم الرحمة والتسامح وحسن الخلق. وتختلف مظاهر الاحتفال من منطقة إلى أخرى، فيما تتقاطع في إبراز البعد الروحي والاجتماعي للمناسبة.

السيرة والمدائح
وتشهد المساجد والزوايا في مدن ليبية عدة مجالس للذكر وتلاوة القرآن والمدائح النبوية، إلى جانب دروس تتناول السيرة الشريفة وشمائل الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما تعرف بعض المناطق حلقات إنشاد شعبية باسم «البغدادي». وفي طرابلس ومدن أخرى، اعتادت فرق الزوايا الخروج في مواكب تجوب الشوارع، مرددة الأذكار والابتهالات والمدائح.
العصيدة والحلوى
وتحتفظ العائلات الليبية بعادات غذائية مرتبطة بالمناسبة، في مقدمتها إعداد العصيدة صباح يوم المولد، وتقديمها بالعسل أو «الرُّب»، إلى جانب إعداد الحلويات وتبادلها بين الأقارب والجيران. وتسبق المناسبة عادة حركة نشطة في الأسواق، حيث تُشترى مستلزمات الاحتفال من حلويات وملابس وقناديل ومواد غذائية.

قناديل الأطفال
ويحظى الأطفال بمكانة خاصة في الاحتفالات، إذ يرتدون الملابس الجديدة ويحملون القناديل والمصابيح، ويزورون الأقارب والجيران للحصول على الحلوى والهدايا، في مشهد يجمع بين الذاكرة الشعبية والفرح الجماعي. وتظهر هذه العادة بوضوح في مدن الواحات، حيث توثق وكالة الأنباء الليبية استمرار بيع القناديل والشموع والألعاب وقيام الأطفال بزيارات الجيران خلال المناسبة.

من طرابلس إلى الواحات
وتتنوع التفاصيل المحلية للاحتفال بين مناطق البلاد؛ ففي طرابلس ارتبط المولد تاريخيًا بمواكب الزوايا والذكر وتزيين الأسواق وتوزيع الحلوى، بينما تحافظ مدن الواحات، مثل جالو وأوجلة وأجخرة، على مجالس المديح وسرد السيرة في المساجد وزيارات الأطفال للمنازل. وفي زليتن، يحتفظ مسجد الشيخ عبد السلام الأسمر بحضور بارز في مجالس الذكر والمدائح المعروفة بـ«البغدادي».

فرحٌ ومسؤولية
وتبقى ذكرى المولد بالنسبة إلى كثير من الليبيين مناسبة تتجاوز مظاهر الزينة والطعام، لتعيد توجيه الاهتمام إلى سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وقيمه في التعامل مع الناس. وفي المقابل، شهدت بعض الاحتفالات خلال السنوات الماضية إفراطًا في استخدام الألعاب النارية، ما أدى إلى إصابات وحرائق، وهو ما يجعل الحفاظ على فرحة الأطفال مقرونًا بسلامتهم ومسؤولية الأسرة والمجتمع.

وبين السيرة التي تُروى في المساجد، والمدائح التي تتردد في الزوايا، والعصيدة التي تجتمع حولها العائلات، والقناديل التي يحملها الأطفال في الشوارع، يستمر المولد النبوي في ليبيا باعتباره مناسبة دينية واجتماعية تحفظ جانبًا من الذاكرة الشعبية، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى موروث ثقافي تتناقله العائلات من جيل إلى آخر.
فسلامٌ على مولده الشريف، وعلى سيرته العطرة، وعلى نبيٍّ أشرقت ببعثته الدنيا، وظل ذكره الطيب خالدًا في القلوب ما تعاقب الليل والنهار.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية