عن دورية DISSENT
ترجمة عبدالسلام الغرياني
ليس هذا الكتاب دراسةً في تاريخ الأفكار بالمعنى الأكاديمي المألوف، بقدر ما هو مساءلة صارمة لتاريخ لم يُكتب كاملاً بعد. ينطلق غابرييل روكهيل في كتابه الصادر حديثا، من سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، غير أن ما يختزنه من شحنة فكرية لا يظهر إلا حين تتأمله مليّاً: كيف تحوّلت قطاعات واسعة من الفكر الماركسي الغربي من الاشتباك المباشر مع الصراع الطبقي والإمبريالية والثورة الاجتماعية، إلى الانكفاء نحو النقد الثقافي والفلسفة المجردة وقضايا الهوية والذات؟ ثم يمضي أبعد في الاستفزاز: من الذي موّل هذا التحول؟ ومن كانت له مصلحة في حدوثه؟
يرى روكهيل أن ما بات يُعرف بـ”الماركسية الغربية” لم ينشأ في معزل داخل الجامعات الأوروبية والأمريكية نتيجة تطور طبيعي للفكر، بل تشكّل في رحم الحرب الباردة، حيث أدّت مؤسسات مرتبطة بالنخب الرأسمالية ومراكز النفوذ الثقافي ومنظمات مدعومة بصورة مباشرة أو مواربة من الدولة الأمريكية، دوراً محورياً في تعزيز تيارات فكرية بعينها وإضعاف سواها. ويتوقف طويلاً عند العلاقة بين مؤسستَي فورد وروكفلر وشبكات الحرب الثقافية الغربية، وبين انتشار مدارس النقد الثقافي المرتبطة بمدرسة فرانكفورت.
تتجلى قوة الكتاب الحقيقية في توكئه على كم وافر من الوثائق والأرشيفات والتفاصيل المؤسسية، إذ لا يكتفي المؤلف بنقد الأفكار من الخارج، إنما يصل إلى العصب الذي يربط الإنتاج الفكري بالبنية المادية التي احتضنته وموّلته وأذاعت صيته. وهذا ما يندر في الدراسات الفكرية التي تتعامل عادةً مع الفلاسفة والمفكرين كأنهم يُفكّرون في فراغ تاريخي مقطوع الصلة بمن يطعمهم ومن يطبع كتبهم.
غير أن الكتاب لا يسلم من إشكاليات جدية. فروكهيل، وهو إذ يُحكم قبضته على كشف التشابكات بين السلطة والجامعة والتمويل الثقافي، يقع أحياناً في نزعة تفسيرية مفرطة الاتساع، تجعل القارئ يشعر بأن الأفكار تُختزل إلى مصادر تمويلها لا أكثر. ورأى بعض النقاد أنه يقترب من منطق المؤامرة حين يُحيل تحولات فكرية معقدة امتدت عقوداً إلى هندسة ثقافية مقصودة، عوضاً عن قراءتها كونها حصيلة تناقضات اجتماعية وفكرية متشعبة. كما يُؤخذ عليه تقديم قراءات أحادية البُعد لشخصيات من حجم أدورنو وديريدا وفوكو، إذ يُركّز على علاقتها بالبنية الإمبريالية الغربية أكثر مما يتوقف عند التوترات الداخلية والتناقضات الكامنة في أعمالها ذاتها.
مع ذلك، فإن قيمة الكتاب الحقيقية تتجاوز صحة استنتاجاته إلى شيء أعمق: نوع السؤال الذي يزرعه في ذهن القارئ ولا يتركه يرحل. فبدلاً من السؤال المعتاد “هل هذه النظرية صحيحة؟”، يدفعك روكهيل إلى التساؤل: “لماذا انتشرت هذه النظرية تحديداً؟ ومن استفاد من انتشارها؟” وهو في جوهره سؤال ماركسي كلاسيكي أعاد توجيهه كالسهم نحو المؤسسات الثقافية والأكاديمية الغربية ذاتها.
الكتاب جريء مثير للجدل، تسري فيه روح سجالية لا تُخفي نفسها. سيجد فيه القارئ المشغول بالنظرية الماركسية وتاريخ الحرب الباردة والمعارك الثقافية مادةً ثريّة مليئة بالوثائق والاستفزاز الفكري. لكنه ليس كتاباً يدّعي التوازن، فهو يكتب من موقع منحاز بوضوح إلى الماركسية اللينينية ومناهض لما يسميه “اليسار المتوافق مع الإمبراطورية”، وقراءته تغدو أشد فائدةً حين تُقرن بقراءات نقدية مضادة لا حين تُؤخذ كلمةً أخيرة.
وإذا أردنا اختصار أطروحته في جملة واحدة فهي: إن المعركة بين الرأسمالية والاشتراكية امتدت إلى ما هو أبعد من المصانع والجيوش والانتخابات، لتشمل الجامعات ودور النشر والمجلات الثقافية أيضاً، وأن كثيراً من النظريات التي بدت في ثوب التمرد على النظام كانت، في رأيه، جزءاً من آلية احتوائه لا تهديده.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية