منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

متى تصبح الصحة عيدًا دائمًا؟

في عالم اعتاد أن يربط الفرح بالتواريخ وأن يُؤطر الاحتفال بمواسم عابرة يظل السؤال الجوهري معلقًا ما الذي يستحق حقًا أن نحتفل به؟ هل هي مناسبات تُستهلك رمزيًا، أم إنجازات تُغير جوهر الحياة الإنسانية؟ الحقيقة أن المناسبات الحقيقية لا تُصنع في رزنامة الزمن إنما تُولد من عمق التجربة البشرية حين ينتصر الإنسان على ألمه وحين ينجح المجتمع في تحويل الهشاشة إلى قوة، والمعاناة إلى معرفة والمرض إلى دافع لإعادة بناء الحياة على أسس أكثر عدلًا ووعيًا. هناك فقط تبدأ ملامح عيد مختلف عيد اسمه الصحة. الصحة في معناها العميق ليست مجرد غياب المرض إنما حضور مكتمل للحياة. هي توازن الجسد وصفاء النفس وانسجام الإنسان مع بيئته ومجتمعه. وهي قبل ذلك وبعده انعكاس مباشر لعدالة خفية تُقاس بقدرة الدولة والمجتمع على صون الحياة دون تمييز. لذلك فإن بناء نظام صحي قوي وموحد ومنصف ومجاني، لا يُعد إنجازًا تقنيًا أو إداريًا فحسب إنما هو فعل أخلاقي بامتياز يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان ووطنه على قاعدة الكرامة وليس الحاجة، والحق لا الامتياز. وحين تُبنى البنية التحتية الصحية بوصفها امتدادًا للرؤية الحضارية، وتتحول المدن إلى بيئات حاضنة للعافية وليس مجرد تجمعات سكانية. ويصبح الماء النقي حقًا بديهيًا والهواء السليم شرطًا للحياة والمساحات الخضراء جزءًا من العلاج وليس من الترف. عندها لا تُقاس التنمية بارتفاع الأبنية والأسواق المجمعة إنما بعمق الأثر الذي تتركه في صحة الإنسان وجودة حياته. وفي قلب هذا التحول يقف التعليم الطبي بوصفه حجر الزاوية. فالمسألة لا تتعلق بتخريج أطباء يحملون شهادات إنما بصناعة عقول ناقدة وضمائر يقظة وكفاءات قادرة على الجمع بين العلم والإنسانية. إن الطبيب في صورته المثلى ليس ناقل معرفة فحسب إنما هو حارس حياة وصوت أخلاقي في وجه الألم وشريك في إعادة تعريف معنى الشفاء. وعندما تُدار الموارد الوطنية بعقل استراتيجي يضع صحة الإنسان في مقدمة الأولويات تتحول الثروة من مجرد أرقام اقتصادية إلى قيمة إنسانية ملموسة. ويصبح الاستثمار في الصحة استثمارًا في الاستقرار وفي الإنتاج وفي المستقبل. فالأمم لا تُقاس بما تملك من موارد إنما بما تُحسن تحويله منها إلى كرامة معيشة وحياة آمنة. غير أن هذا التحول لا يكتمل دون مواجهة حاسمة لفوضى الأسواق الصحية، ولتسليع العلم ولظاهرة الاتجار بالشهادات التي أفرغت المهنة من معناها وألحقت ضررًا بالغًا بالإنسان. إن استعادة قدسية المعرفة الطبية ضرورة وجودية لضمان أن يبقى العلاج أمانًا وليس خطرًا والثقة قاعدة وليست استثناء. وعند هذه النقطة يبدأ الاحتفال الحقيقي. نحتفل حين تتحول المنظومة الصحية من رد فعل على المرض إلى فعل استباقي يسبقه ومن انتظار للأزمات إلى قدرة على التنبؤ بها وإدارتها. نحتفل حين يصبح البحث العلمي ركيزة أساسية في صناعة القرار الصحي وحين تتكامل التخصصات لتقديم فهم شامل للإنسان في سياقه البيئي والاجتماعي. نحتفل حين يختفي الدواء المغشوش ويصبح العلاج متاحا وآمنًا، وحين يكون الغذاء مصدرًا للصحة لا سببًا للمرض. نحتفل حين ترتقي مهنة التمريض، ويُعاد الاعتبار لكل عنصر في المنظومة الصحية بوصفه شريكا في حماية الحياة. نحتفل حين يبلغ النظام الصحي درجة من الجاهزية تجعله قادرًا على مواجهة الأوبئة والكوارث والتحولات المناخية بثقة وكفاءة وليس بردود أفعال متأخرة. ونحتفل حين لا يضطر المريض إلى السفر بحثًا عن علاج، ولا إلى استنزاف موارده بحثًا عن أمل إنما يجد في وطنه ما يكفيه علمًا ورعاية وكرامة. نحتفل حين يصبح الاكتفاء الذاتي في الكوادر الطبية والأدوية والبنية التحتية واقعًا وليس شعارًا، وحين تمتد سنوات الحياة الصحية للإنسان. نحتفل حين تتكامل الصحة مع التعليم والبيئة والاقتصاد والثقافة في منظومة واحدة تُنتج إنسانًا متوازنًا ومجتمعًا حيًا. في تلك اللحظة لا يعود الاحتفال مناسبة عابرة إنما يتحول إلى حالة دائمة. يصبح المجتمع نفسه عيدًا مفتوحًا وتغدو الصحة ثقافة يومية والعافية أسلوب حياة والرفاه حقًا أصيلًا وليس امتيازًا لفئة دون أخرى. عندها فقط لا نسأل متى نحتفل؟ وكيف نحتفل؟، إنما ندرك أننا نعيش الاحتفال كل يوم.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

أحلام محمد الكميشي

الديموغرافيا بوصفها مشروعًا للأمن الوطني

قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، ردًا على منتقدي الاتفاق الأميركي الإيراني: “يرغبون في …