الكل يعرف أن ليبيا دولة ريعية نفطية… وهذا يعني أن النفط هو المورد الأكبر -إن لم يكن اليتيم- الذي تعتمد عليه الدولة الليبية في تمويل ميزانياتها، ودفع مرتبات موظفيها، وتوفير الخدمات لمواطنيها، واستيراد الغذاء والدواء والوقود، وتمويل مشروعات البنية التحتية…. وحين يقصف النفط، فإن الذي يحترق في الحقيقة ليس خزاناً من الحديد فقط، بل جزء من قوت الليبيين ومستقبل أبنائهم، وهيبة الدولة وسمعتها أمام العالم أيضاً…. لهذا يصبح المشهد الذي تشهده الزاوية أكثر من مجرد فصل جديد من فصول الصراع المسلح.
خزانات وقود تشتعل، والنيران تلتهم كميات ضخمة من الوقود، بينما يقف رجال السلامة المدنية في مواجهة حريق أكبر من إمكاناتهم وقدراتهم…. وهذه ليست أول مرة تدفع فيها المنشآت النفطية ثمن الاشتباكات، فقد تعرضت مصفاة الزاوية في السابق لأضرار وحرائق نتيجة القتال، وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حينها حالة الطوارئ والقوة القاهرة، كما حدث ذلك أيضاً مع خزانات طريق المطار بطرابلس قبل سنوات.
لكن الأسئلة التي يطرحها كل الليبيون، هي: ما دخل قوت الليبيين في صراع المسلحين؟
وما ذنب المواطن الذي ينتظر راتبه… أو يقف بسيارته في طابور محطة الوقود حتى يجد رزقه يقصف بطيران مسير ويحترق أمام عينيه؟
وأي قوة هذه التي تمارس ضد خزانات الوقود؟
وأي انتصار يمكن أن يتحقق بإحراق الوقود الذي يحتاجه الناس؟
وأين الرجولة في أن يتحول قوت شعب كامل إلى هدف عسكري؟
وأين المفخرة في أن تقوم بقصف خزانات الوقود، بينما العائلات الليبية هي التي ستدفع الثمن؟
يجب أن يعي الجميع، أن النفط ليس غنيمة لهذه المجموعة أو تلك، وليس ملكاً لمدينة دون أخرى، ولا موردا خاصا لمن يملك السلاح… بل هو ثروة كل الليبيين، ومن يعتدي على منشآته لا يضرب خصمه وحده، بل يضرب المواطن في راتبه وفي سيارته، وفي بيته، وفي أسعار السلع والخدمات، بل وفي كرامته أيضاً.
إن تحويل المنشآت الحيوية إلى ساحات للصراع وأهداف عسكرية هو انتقال خطير من الاقتتال على النفوذ إلى حرق الدولة من داخلها.
والمسؤولية هنا لا تقع على المتقاتلين وحدهم، بل وعلى الحكومة أيضاً، فهذه الأخيرة مطالبة بأن تتوقف عن إدارة الأزمات بمنطق رد الفعل اللحظي، وأن تكف عن إعطاء المسكنات لتلك الجماعات المتناحرة، وأن تفرض هيبة الدولة وسيادة القانون، وتحفظ أرواح الناس، وتحمي المنشآت النفطية ومخازن الوقود حماية حقيقية، وتضع حدا لتحول المدن والمنشآت العامة إلى ساحات مفتوحة للقتال.
فالهيبة ليست بياناً حكومياً يستنكر ما حدث ويحدث، ولا اجتماعاً طارئاً تلتقط له الصور، ولا تشكيل لجنة أزمة، ولا مؤتمراً صحفياً لإدانة ما حدث بعد وقوع الكارثة.
هيبة الدولة أن يعرف حامل السلاح أن هناك دولة أقوى منه، وأن يعرف الجميع أن قوت الليبيين خط أحمر لا يمكن التفكير في الاقتراب منه.
فإذا كان الليبيون قد ابتلوا باقتصاد لا يكاد يملك إلا النفط، فلا تجعلوا النفط نفسه يحترق أمام أعينهم، وهذا ما يجب أن تقوم به الحكومة على الأقل.
فإذا كان النفط هو المورد الذي يعيش منه الليبيون، فإن حمايته ليست خياراً أمام الدولة… بل هو واجب ومسؤولية لا تقبل التأجيل والتسويف .
لا يمكن أن تبقى مقدرات البلاد رهينة لصراعات جماعة من المسلحين، ولا أن يتحول قوت الناس إلى هدف في معارك لا علاقة لهم بها…
باختصار، على الدولة أن تستعيد حضورها وهيبتها، وأن تفرض القانون بقوة مؤسساتها، وأن تحمي ثروة الليبيين ومنشآتهم الحيوية من العبث والاستنزاف، فحين تقصف المسيرات خزانات الوقود، لا تحترق أموال الدولة وحدها، بل يحترق معها جزء من حاضر الليبيين ومستقبل أبنائهم.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية