منصة الصباح
يوسف عفط
يوسف عفط

هل تكتشف المسابقاتُ الشعراءٓ، أم تصنعُهُم؟

بقلم …يوسف عفط

لا أؤمن بالتنافس في الشعر، ولمن يتابعني على فيسبوك، ربما يتذكر أنني سبق أن أشرت، ولو بإيجاز، إلى وجهة نظري في المسابقات الشعرية، كما تحدثت عن الأمر في بعض اللقاءات الإذاعية والتلفزيونية. لكنني أجد أن الفكرة تستحق هنا أن أتوقف عندها بصورة أكثر تفصيلًا، وأن أقول ما لم يتسع له منشور عابر أو لقاء إعلامي.

قد يبدو هذا القول غريبًا في زمن كثرت فيه المسابقات الشعرية، وتنوعت أسماؤها، وتضخمت جوائزها، وصارت بعض برامجها التلفزيونية قادرة على صناعة شاعر من خلال أسابيع قليلة، ثم منحه لقبًا من قبيل: «أمير الشعراء»، أو «أمير القوافي»، أو «سلطان الحرف»، أو «بارون الكلمة».

لكنني، في الحقيقة، لا أرى في الشعر ملعبًا ينبغي أن يكون فيه شاعر أول وآخر، ولا أرى القصيدة حصانًا يصل إلى خط النهاية قبل قصيدة أخرى.

الشعر ليس سباقًا.

وإذا كان للشعر تنافس، فهو تنافس الشاعر مع نفسه، ومع اللغة، ومع تجربته، ومع ما عجز عن قوله بالأمس ويحاول أن يقوله اليوم بصورة أكثر جمالًا وصدقًا.

أتفهم دوافع المشاركين في المسابقات الشعرية. بعضهم يبحث عن الفوز، وبعضهم عن المال، وبعضهم عن الشهرة. وقد أقتنع، إلى حد ما، بالمشاركة في مسابقة تلفزيونية واسعة الانتشار؛ فظهور الشاعر أمام جمهور واسع قد يمنحه فرصة لا توفرها له أمسيات الشعر التقليدية. وأتفهم، وإن كنت لا أحب، أن يشارك شاعر في مسابقة من أجل جائزتها المالية.
لكن ما يصعب عليّ تقبله هو أن يكتب الشاعر نصًا خصيصًا للمسابقة، ثم يقف أمام لجنة تحكيم ليُقال له في النهاية: أنت «أمير الشعراء»، أو «سلطان الحرف».

هنا، في رأيي، يحدث شيء مؤذٍ للشعر.

ليس لأن الشاعر فاز، ولا لأن الجائزة كبيرة، وإنما لأننا بدأنا نتعامل مع الشعر باعتباره قابلًا للقياس بهذه الطريقة.

ما الذي يعنيه أصلًا أن يكون شاعرٌ «أمير الشعراء»؟
هل الشعر إمارة؟ وهل يمكن أن يكون شاعرٌ ما أميرًا على بقية الشعراء؟ ومن يمنحه هذه الإمارة؟ لجنة؟ جمهور؟ تصويت؟ معايير محددة؟ وهل يمكن لنص شعري أن يكون «الأفضل» بصورة مطلقة، كما تكون نتيجة مباراة كرة قدم؟
في تصوري، أن الشعر أبسط من ذلك وأكثر تعقيدًا في الوقت نفسه.

قد يختلف شاعران في التجربة واللغة والرؤية والإيقاع، ولا يكون من العدل أن نضعهما في ميزان واحد ثم نقول: هذا أفضل من ذاك.

المشكلة الأكبر تبدأ عندما لا تكتفي المسابقة باختيار شاعر، بل تبدأ في صناعة نموذج للشاعر الذي يستحق الفوز.

المسابقة لها شروطها، ولجنة التحكيم لها ذائقتها، والبرنامج له جمهوره، والجائزة لها صورة معينة تريد تكريسها. ومع تكرار التجربة، يبدأ الشعراء الشباب، بوعي أو من دونه، في الاقتراب من النموذج الذي أثبت أنه قادر على الفوز.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
هل المسابقات تكتشف الشعراء، أم تعيد تشكيلهم وفق ذائقتها؟
ألا نلاحظ، مثلًا، حضور البحر البسيط بصورة لافتة في نسبة كبيرة من الإنتاج الشعري العربي الحديث؟
هل يعود ذلك إلى طبيعة موسيقاه وقدرته على الأداء المنبري؟
أم أن الأمر يرتبط أيضًا بتأثر أجيال من الشعراء بالنصوص التي لمع أصحابها في المسابقات الكبرى، وبما رسخته تلك المسابقات من صورة للنص الناجح؟
لا أملك إجابة قطعية، لكن السؤال يستحق أن يُطرح.

فالذائقة لا تتشكل فقط بالنقد والقراءة، وإنما تتشكل أيضًا بما نراه ينجح ويتوج ويصفق له الجمهور. وحين يرى الشاعر الشاب أن نمطًا معينًا من القصائد يفوز باستمرار، وأن أسلوبًا معينًا في الأداء يثير إعجاب اللجنة والجمهور، فمن الطبيعي أن يتأثر به، وربما يبدأ في كتابة القصيدة التي يُعتقد أنها قابلة للفوز، بدل أن يكتب القصيدة التي تشبهه.

وهكذا قد لا تقتل المسابقة الموهبة، لكنها قد تفعل شيئًا أكثر خفاءً: قد تجعل الموهبة تنحرف عن طريقها.

ومن أكثر ما أتحفظ عليه أيضًا مسابقات الارتجال، التي يُراد من خلالها قياس مقدرة شاعر على شاعر، أو إعطاء الشاعر كلمة أو قافية ثم مطالبته بأن يكتب فورًا، وكأن سرعة الاستجابة دليل كافٍ على الشعرية.

أنا لا أرى ذلك.

قد يكون الإنسان سريع البديهة، بارعًا في نظم الكلام، قادرًا على التقاط القافية والوزن في لحظتهما، لكنه ليس بالضرورة شاعرًا كبيرًا.

الشاعر لا يُقاس فقط بما يستطيع أن يكتبه الآن، أمام لجنة، وتحت ضغط الوقت.

الشعر أحيانًا يحتاج إلى صمت طويل، وإلى تجربة تنضج، وإلى كلمة تأتي بعد أيام أو سنوات، لا بعد ثوانٍ.
الشاعر ليس «ناظمًا» ينتظر منه أن يستجيب لأي قافية تُلقى إليه. الشاعر صاحب تجربة ورؤية وحساسية تجاه العالم واللغة، ولهذا أنا مع نوع آخر من المسابقات.
أنا مع المسابقات التي تكتشف المواهب ولا تصنع الألقاب؛ مسابقات تفتح أبوابها لكل المدارس والأشكال الشعرية: العمودي، والتفعيلة، وقصيدة النثر، وغيرها، من دون أن تجعل شكلًا بعينه معيارًا مسبقًا للشعرية.
وأنا مع المسابقات التي لا تحاكم شاعرًا من خلال قصيدة واحدة، وإنما تنظر إلى تجربته كاملة؛ إلى ما كتب، وما نشر، وما تطور فيه، وما يمكن أن يصبح عليه.

لماذا لا تكون المسابقة في كتاب شعري كامل؟

لماذا لا نقرأ تجربة شاعر بدل أن نقرأ قصيدة واحدة كتبها تحت ضغط الفوز؟ لماذا لا تكون الجائزة للشاعر الذي تكشف مجموعته عن صوت خاص، ورؤية، وتطور، وامتلاك حقيقي للغة؟
هنا تصبح المسابقة وسيلة لاكتشاف شاعر، لا وسيلة لصناعة بطل، وأعتقد أن هذا هو الفارق كله.

أنا لا أريد أن نلغي المسابقات الشعرية، بل أريد أن نسأل: ماذا نريد منها؟
إذا أردنا منها المال والشهرة والفرجة، فليكن ذلك واضحًا.

أما إذا أردنا منها خدمة الشعر، فعلينا أن نعيد التفكير في فلسفتها.

لأن الشعر لا يحتاج إلى أمير.

ولا يحتاج إلى سلطان.

ولا يحتاج إلى بارون.

الشعر يحتاج فقط إلى شاعر حقيقي، وقصيدة تستطيع أن تعيش بعد انتهاء المسابقة، وانطفاء الأضواء، وانصراف لجنة التحكيم.

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

التأمين الصحي 

لم يُولد نظام التأمين الصحي كفكرة شريرة إنما قُدِّم بوصفه حلاً مالياً يهدف إلى توزيع …