غزة: «الصباح»- بهاء طوباسي
يستيقظ خميس أبو لحية (48 عامًا) قبل خيوط الفجر الأولى، لا لجمع حبات الطماطم التي كانت تزخر بها أرض المواصي الزراعية، بل ليرسم بحدود جسده خطًا وهميًا يمنع جار خيمته الجديد من العبور فوق حبل التثبيت على حدود الخيمة. في هذه البقعة الساحلية الضيقة جنوب غربي قطاع غزة، التي طالما عُرِفت بكونها سلة القطاع الغذائية ورئته الممتدة، لم يعد الأمان يُعرف بمجرد الابتعاد عن الشظايا، بل بالقدرة على انتزاع سنتيمترات إضافية تتسع لأقدام أبنائه التسعة حين ينامون متراصين في مساحة ضيقة.
لم يتبقَّ من شريط المواصي الساحلي، الممتد على مساحة لا تتجاوز 14 كيلومترًا مربعًا من خان يونس حتى حدود رفح، أي أثر لملامحه الطبيعية القديمة. لقد استحالت هذه الكثبان الرملية إلى عاصمة عشوائية لأكبر شتات داخلي شهده القطاع، حيث يتشابك القماش بالصاج والميكانو في مشهد يختنق فيه الهواء، وتغيب عنه أدنى مقومات الحياة البشرية، وسط اضطرار أكثر من مليون وثلاثمائة ألف نازح للتكدس في هذه المساحة الهشة.
يتأمل «أبو لحية» امتداد البحر أمام عينيه، لكن رذاذ الموج الصباحي يختلط فورًا برائحة مياه الصرف الصحي الناشعة من بين الكثبان. يقول لـ«الصباح» بنبرة حادة وهو يشد وتد خيمته المتهالكة: «نزحنا إلى هنا بناءً على التوجيهات التي صوّرت المكان بوصفه الملاذ الأخير الخالي من الموت، لكننا اكتشفنا أن الأمان الموعود ليس سوى وهم كبير. نحن لا نعيش هنا، بل نتزاحم على التنفس، والصراع اليومي يبدأ من مساحة الخيمة ولا ينتهي عند حبل الغسيل».

تتكشف الحقيقة المعقدة داخل مدينة الخيام التي نشأت على أطراف الكثبان؛ حيث يتحول كل صباح إلى ساحة مواجهة لإثبات الوجود. أصبحت مفردة «المحيط الإنساني» بلا معنى عملي أمام واقع يضطر فيه الآلاف إلى تقاسم المتر المربع الواحد، وتغدو فيه أبسط الاحتياجات اليومية أصلًا لأزمات اجتماعية وإنسانية تتفجر تحت أقدام قاطنيها.
صراع المتر الأخير وشبكات المياه
في مخيمات المواصي أصبحت العروق الخشبية والألواح البلاستيكية الممتدة عبارة خرائط حدودية ملتهبة بين الجيران. لا تملك أسر النازحين في هذا الشريط الساحلي رفاهية الخصوصية، إذ تفصل بين الخيمة والأخرى طبقة رقيقة من قماش الخيش، مما يجعل كل حركة مادة لترددات اليوم الشاق. وتبدأ الشرارة الأولى غالبًا حين تحاول إحدى الأسر توسيع نطاق مظلتها لحماية أطفالها من شمس الظهيرة، لتبدأ المشادات حول اقتطاع ممر المشاة الوحيد الذي يسلكه العشرات.
على طول الأزقة الضيقة التي لا يتجاوز عرض بعضها نصف متر، تتشابك خراطيم المياه الممدودة بطريقة عشوائية كشرايين بارزة على جسد مجهد. يسعى الجميع لربط خراطيمهم بـ «التوصيلات الأهلية» الممتدة من الآبار الساحلية المتبقية، حيث يتدافع المئات محملين بالجالونات البلاستيكية بمجرد بدء ضخ المياه. تشتعل الخلافات فورًا بين من يرى لنفسه أولوية التعبئة لكثرة أفراد أسرته، وبين من ينتظر دوره منذ ساعات طويلة.
يشرح خميس أبو لحية كيفية إدارة الأزمات اليومية داخل هذا المحيط الصغير قائلاً: «أعيش مع زوجتي وأبنائي التسعة في خيمة لا تتعدى أربعة أمتار في ثلاثة. لكي نصل إلى صنبور مياه مالح، علينا خوض مفاوضات مع ثلاث عائلات مجاورة. الخلافات هنا لا تتوقف على قطرة الماء فحسب، بل على من له الحق في تمديد خرطومه أولاً، وكثيرًا ما تتطور هذه الصراعات البسيطة إلى اشتباكات بالأيدي تتطلب تدخل كبار المخيم لمنع امتدادها».
وتؤكد البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» (OCHA) أن معدل حصة الفرد اليومية من المياه في مناطق التكدس المرتفع بالمواصي انخفض إلى أقل من 3 لترات يوميًا لكافة الاستخدامات والشرب، وهو ما يقل بنسبة 85% عن الحد الأدنى الإنساني الموصى به عالميًا والبالغ 15 لترًا، مما جعل التنافس على نقاط التوزيع الأهلية أحد أهم محفزات التوتر الاجتماعي اليومي بين قاطني مدن الخيام.

سلطة أهلية لإدارة الشارع
أمام الغياب التام للمؤسسات التنفيذية والشرطية، وضخامة الضغط السكاني الذي يهدد بانفلات أمني شامل، كان لا بد للمجتمع المحتجز داخل هذه الكثبان من استدعاء آلياته التقليدية للحفاظ على التماسك. ومن قلب هذا الفراغ الإداري، ولدت «اللجان الشعبية ولجان الإصلاح الأهلية»، ككيانات فرضها الأمر الواقع لإدارة تفاصيل الحياة اليومية، وحسم النزاعات الميدانية قبل تفاقمها.
يتنقل سامي فوجو (أبو إياد)، مختار عائلة فوجو ورئيس لجنة إصلاح ذات البين في مخيمات الإيواء بالمواصي، بين مجموعات الخيام وهو يحمل دفترًا صغيرًا حُشِرت فيه مئات القضايا والنزاعات اليومية. لا تتوقف مهمته عند حدود التدخل العشائري التقليدي، بل امتدت لتشمل تنظيم التمديدات الكهربائية البدائية، وتوزيع مساحات النزوح الجديدة، وحل المشكلات الناجمة عن تعدي الخيام على ممرات الحركة والمرافق المشتركة.
يقول المختار أبو إياد لـ«الصباح» بينما يلتف حوله عدد من وجهاء المخيم لفض نزاع حول أحقية تثبيت خيمة جديدة: «وجدنا أنفسنا أمام مسؤولية أخلاقية لمنع الفوضى العارمة. الناس هنا تحت ضغط نفسي وإنساني لا يُطاق، وأقل شرارة قد تؤدي إلى نزاعات ممتدة بين العائلات والنازحين. نحن نتدخل يوميًا لحل عشرات القضايا، بداية من السرقات الصغيرة، مرورًا بقضايا الاعتداء على المساحات، وصولاً إلى تنظيم الأدوار على خطوط المياه وحنفيات التوزيع».
ويدرك «أبو إياد» أن هذه اللجان باتت بمثابة الإدارة المحلية البديلة التي تحافظ على بقاء الشارع متماسكًا؛ حيث وضعت ضوابط عرفية ملزمة للجميع لتنظيم حركة البائعين وتحديد مناطق القمامة ومحاور عبور صهاريج المياه. ويردف موضحًا: «نحن لا نملك سلطة إنفاذ القانون بالمعنى الرسمي، لكننا نملك السلطة الأدبية والعرفية التي يرتضيها الناس لضمان السلم الأهلي المتبقي، ولولا هذه المنظومة الأهلية لاستحالت المواصي إلى ساحة صراع كبيرة».
وتكشف التقديرات الأخيرة الصادرة عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في غزة أن لجان الإصلاح الأهلية والمجالس العائلية باتت تتعامل مع أكثر من 80% من النزاعات اليومية والشكاوى المدنية داخل مخيمات النزوح في المواصي وخان يونس، بعد تعطل الأجهزة القضائية والتنفيذية الرسمية كليًا، مما يعكس اتساع دور السلطة المجتمعية الأهلية في إدارة شؤون السكان وتسيير الحياة الإنسانية.
بيئة ملغومة بسبل العيش
تحت السطح الرملي لشريط المواصي، تتشكل بيئيًا إحدى أكبر الكوارث الصحية غير المرئية. فالمكان الذي صُمِم طبيعيًا ليكون منطقة امتصاص زراعية وشاطئية، بات يتحمل صدمة استيعاب المخلفات الصلبة والمياه العادمة الناجمة عن أكثر من مليون إنسان، دون وجود شبكة صرف صحي واحدة أو بنية تحتية قادرة على تصريف هذا الكم الهائل من النفايات.
لجأ أهالي المخيمات إلى حفر آلاف الحفر الامتصاصية البدائية بجوار خيامهم مباشرة، وهي عبارة عن حفر رملية محفورة يدويًا تُغطى بألواح الخشب أو البلاستيك، يقضي فيها النازحون حاجتهم. ومع مرور الوقت وارتفاع درجات الحرارة، بدأت هذه المياه العادمة بالتسرب المباشر إلى الخزان الجوفي الساحلي القريب من سطح الأرض، مما أدّى إلى اختلاط مياه الاستخدام اليومي المستخرجة من الآبار السطحية بمياه الصرف الصحي، وانتشار الروائح الكريهة والحشرات بكثافة غير مسبوقة.
من جانبه، يحذر صائب لقان، المتحدث باسم بلدية خان يونس، من الأبعاد البيئية الخطيرة التي تخنق شريط المواصي، موضحًا لـ«الصباح»: «إن التكدس السكاني الهائل في المواصي أدى إلى ضغط فاق الطاقة الاستيعابية للتربة والبنية التحتية المعدومة بنسبة تتجاوز كل المعدلات الطبيعية. التربة الرملية هنا تتميز بنفاذية عالية جدًا، مما يعني أن ملايين اللترات من مياه الصرف الصحي المترشحة من الحفر البدائية تجد طريقها فورًا إلى الأحواض الجوفية السطحية التي يعتمد عليها النازحون للاستخدام اليومي والشرب».
ويضيف لقان وهو يشير إلى تراكم أطنان القمامة على حواف المخيمات: «نحن أمام كارثة بيئية وصحية متكاملة الأركان. تتكدس يوميًا مئات الأطنان من النفايات الصلبة داخل المواصي دون قدرة معدات البلدية المتهالكة والشحيحة على الوصول إليها أو نقلها بسبب منع إدخال الوقود وتدمر الطرقات. هذا الواقع جعل المنطقة بؤرة خصبة لانتشار المكاره الصحية، وأسهم في تفشي الأمراض الجلدية والمعوية بين الأطفال بشكل خاص».
وتدعم الأرقام الرسمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية هذا التدهور البيئي؛ إذ سجلت القطاعات الصحية أكثر من 900 ألف حالة إصابة بالإسهال الحاد والتهابات الكبد الوبائي والأمراض الجلدية المعدية كالجرب والطفح الجلدي بين النازحين في مخيمات جنوب غزة، مع تأكيد المنظمة أن نسبة التلوث البكتيري في المياه المستخدمة داخل الخيام بالمواصي تجاوزت 85%، مما يضع مئات الآلاف من الأطفال والنساء أمام مخاطر صحية مباشرة تهدد حياتهم بعيدًا عن أزيز الطائرات.
تظل المواصي، التي أُريد لها أن تكون عنوانًا للنجاة وملاذًا أخيرًا من الإبادة الجماعية الإسرائيلية، صورة مكثفة للتراجيديا الإنسانية المعقدة في قطاع غزة. فلم يعد الساكنون تحت خيامها يبحثون عن الأمان الخارجي فحسب، بل باتوا يصارعون اليوم للتغلب على استحقاقات البيئة والمكان وضغطه السكاني الخانق. وبين حبل خيمة يشتد ونقطة ماء شحيحة، تتواصل الحياة في مدن الخيام الساحلية، مشكّلة ملامح مجتمع يبتكر أدوات بقائه الخاصة وسط عالم يكتفي بوضع اليافطات الإنسانية على خارطة المعاناة الممتدة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية