منصة الصباح
ليبيا: إسهالٌ توظيفي.. وإمساكٌ إنتاجي
توظيف بلا إنتاج

ليبيا: إسهالٌ توظيفي.. وإمساكٌ إنتاجي

الصباح/ تقرير

تواجه ليبيا منذ سنوات معضلة اقتصادية وإدارية معقدة تتمثل في تضخم أعداد العاملين في القطاع العام مقابل محدودية الإنتاج الحقيقي للاقتصاد الوطني، في ظل اعتماد غالبية المواطنين على الوظيفة الحكومية باعتبارها المصدر الرئيس للدخل، بينما تتراجع مساهمة القطاعات الإنتاجية والصناعية والزراعية في توليد فرص العمل والثروة..

أكثر من مليوني موظف

تشير بيانات وتقارير رسمية صادرة عن وزارة المالية ومصرف ليبيا المركزي خلال السنوات الأخيرة، إلى أن عدد العاملين والمتقاضين للمرتبات من الخزانة العامة يتراوح بين “2.1” و”2.4″ مليون شخص، موزعين بين موظفين مدنيين وعسكريين ومتقاعدين ومتقاضي منح ومخصصات مختلفة..

ويُعد هذا الرقم من أعلى المعدلات عالمياً مقارنة بعدد السكان، ما يجعل الدولة أكبر جهة توظيف في البلاد بفارق كبير عن القطاع الخاص..

وتستهلك المرتبات الباب الأكبر من الإنفاق العام، حيث تراوح بند المرتبات خلال السنوات الأخيرة بين “60” و”70″ مليار دينار سنوياً، وفق بيانات الميزانية والإنفاق العام الصادرة عن الجهات المالية الرسمية، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من الإيرادات العامة التي تعتمد أساساً على عوائد النفط والغاز..

حضور مرتفع وعائد محدود

ورغم هذا الحجم الضخم من العمالة الحكومية، فإن مؤشرات الإنتاجية الفعلية تظل محل تساؤل واسع بين الخبراء الاقتصاديين..

فالكثير من المؤسسات والهيئات العامة تعاني من الترهل الإداري وتداخل الاختصاصات وازدواجية الوظائف، بينما يقتصر نشاط عدد من الموظفين على الحضور الشكلي أو إنجاز أعمال محدودة لا تتناسب مع حجم الإنفاق المخصص لهم..

ويرى مختصون أن الاقتصاد الليبي تحول تدريجياً إلى اقتصاد ريعي، يعتمد على توزيع عوائد النفط عبر المرتبات والدعم، بدلاً من ربط الدخل بالإنتاج والقيمة المضافة، الأمر الذي أضعف الحوافز نحو الابتكار والعمل المنتج والاستثمار في القطاعات الاقتصادية المختلفة..

غياب التدريب المهني..
استهلاك ضخم للموارد

لا يقتصر أثر تضخم الجهاز الإداري على المرتبات فقط، بل يمتد إلى استهلاك كميات كبيرة من الموارد العامة، فالمقار الحكومية المنتشرة في مختلف المدن تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء والمياه والوقود ووسائل الاتصال والإنترنت والقرطاسية والمعدات المكتبية وأعمال الصيانة والنقل والخدمات اللوجستية..

كما تتحمل الدولة نفقات تشغيلية متزايدة تشمل أساطيل المركبات الحكومية ومخصصات الوقود والتجهيزات الفنية، إضافة إلى تكاليف الإيجارات والصيانة والتأمين والحراسة، وهي مصروفات تتضخم سنوياً مع ازدياد عدد الجهات والموظفين..

ازدحام يومي واستهلاك أكثر
ازدحام وضياع أموال ووقت

ومن النتائج غير المباشرة لتضخم الوظيفة العامة مساهمة مئات الآلاف من الموظفين في حركة التنقل اليومية داخل المدن الكبرى، خصوصاً طرابلس وبنغازي ومصراتة وسبها، حيث تشهد الطرق الرئيسة ازدحاماً ملحوظاً خلال ساعات الدوام الرسمية..

ويؤدي انتقال أعداد كبيرة من الموظفين يومياً إلى مقار العمل إلى زيادة استهلاك الوقود وارتفاع الضغط على البنية التحتية للطرق، فضلاً عن ضياع ساعات طويلة من الوقت والإنتاجية في الاختناقات المرورية التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي في عدد من المدن الليبية..

غياب القاعدة الإنتاجية

 

قاعدة صناعية ضعيفة

 

في المقابل، تعاني ليبيا من ضعف واضح في القاعدة الصناعية والإنتاجية القادرة على استيعاب العمالة خارج القطاع الحكومي. فمعظم المصانع الكبرى التي أُنشئت خلال العقود الماضية تعمل بأقل من طاقتها أو توقفت عن الإنتاج، بينما لا تزال مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي محدودة مقارنة بالقطاع النفطي..

مشاريع زراعية مدمرة..

كما يواجه القطاع الزراعي تحديات تتعلق بالتمويل والبنية التحتية والتسويق، في حين يظل القطاع الخاص غير قادر على استقطاب أعداد كبيرة من الباحثين عن العمل بسبب المنافسة مع المرتبات الحكومية والاستقرار الوظيفي الذي توفره الدولة..

ثقافة الوظيفة الحكومية

أدى هذا الواقع إلى ترسيخ ثقافة اجتماعية تعتبر الوظيفة العامة الخيار الأول والأكثر أماناً لغالبية الشباب الليبيين، بينما تتراجع الرغبة في الأعمال الحرفية والمهنية والمشروعات الصغيرة وريادة الأعمال..

وأصبحت المنافسة على التعيين في مؤسسات الدولة هدفاً رئيساً للكثير من الخريجين، حتى في ظل محدودية الحاجة الفعلية إلى مزيد من الموظفين..

ويرى خبراء الاقتصاد أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب إصلاحات هيكلية طويلة المدى تشمل تطوير التعليم والتدريب المهني، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، وإعادة إحياء القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية، وربط التوظيف بالإنتاجية والأداء، بما يسمح بتحويل الاقتصاد الليبي من نموذج قائم على توزيع الإيرادات النفطية إلى اقتصاد يولد فرص العمل والثروة من النشاط الإنتاجي الحقيقي..

شاهد أيضاً

"الزروق" يُنجز أول توثيق أدبي ضمن مشروعه الرقمي.

“الزروق” يُنجز أول توثيق أدبي ضمن مشروعه الرقمي.

خطوة عملية لمشروع الأرشيف خطا الكاتب الليبي “محمد الزروق” خطوة جديدة في مشروعه الهادف إلى …