منصة الصباح
زحف الرمال يلتهم الأخضر.. ليبيا تواجه أزمة تصحر غير مسبوقة  
زحف الرمال يلتهم اللون الأخضر

زحف الرمال يلتهم الأخضر.. ليبيا تواجه أزمة تصحر غير مسبوقة  

تزامنا مع إحياء المجتمع الدولي لـ”اليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف”، وهو المناسبة الرسمية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1994 ويحتفي بها العالم في 17 يونيو من كل عام لحشد الجهود الدولية لحماية البيئة والأمن الغذائي وتكثيف الوعي بظاهرة تدهور الأراضي، تواجه ليبيا في الآونة الأخيرة واحدة من أعنف الأزمات البيئية والمناخية في تاريخها المعاصر، حيث بات زحف الكثبان الرملية يهدد بابتلاع ما تبقى من مساحات خضراء شحيحة، وسط تحذيرات أكاديمية ورسمية متصاعدة من انعكاسات هذه الكارثة على الأمن القومي والغذائي للبلاد.

مؤشرات حمراء

تدق المنظمات البيئية المحلية والدولية ناقوس الخطر إزاء المؤشرات الرقمية المفزعة التي توثق هذا التسارع المخيف، إذ تحول “الجبل الأخضر” و  الذي يعد الرئة الطبيعية الأبرز للبلاد  ، و بشكل تدريجي نحو اللون الرمادي. وكشف تقرير نشرته صحيفة “النهار الصادرة في لبنان بتاريخ 12-06-2024 عن تراجع حاد ومفزع في الغطاء النباتي للمنطقة، حيث انكمشت مساحته من نحو مليون و400 ألف هكتار إلى مستويات متدنية للغاية. وتتطابق هذه البيانات مع تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، والتي تشير إلى أن أكثر من 95% من البيئة الليبية باتت تصنف كبيئة صحراوية أو شبه صحراوية، مما يعكس عجز المساحات الهامشية المتبقية عن الصمود أمام عوامل التعرية الزاحفة بلا هوادة

جذور الأزمة

و تتداخل في هذه الأزمة محركات طبيعية ومناخية مع أنشطة بشرية عشوائية لتسريع وتيرة الكارثة فمن جانبه، أعلن  فارس فتحي وهو مسؤول  حكومي في وزارة البيئة  لوسائل الإعلام  ، أن البلاد سجلت معدلات احترار عالمي قياسية، حيث واصلت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ضغطها على الغلاف الجوي الإقليمي، مسببة موجات حرارة خانقة وجفافاً ممتداً.ويدعن التصريح ما أفادت به دراسات صادرة عن  المركز الوطني للأرصاد الجوية  بشأن حدوث خلل حاد وتحول سلبي في الدورة المطرية التاريخية للبلاد ، فبعد عقود من التوازن والانتظام بين السنوات الرطبة والجافة، سجلت العقود الثلاثة الأخيرة تراجعاً غير مسبوق في منسوب المتساقطات، لتهبط معدلات الأمطار في مناطق واسعة من غرب ليبيا والمناطق الداخلية إلى مستويات حرجة.

وعلى جانب الأنشطة البشرية  يرى أستاذ البيئة النباتية بجامعة بنغازي  الدكتور طارق عوض المقصبي  في تصريح لصحيفة الأنباء الليبية في عددها الصادر في 21 يناير 2025 أن غياب التخطيط الحضري والمؤسسي أدى إلى اجتياح البناء الخرساني العشوائي للأراضي الزراعية والموائل الطبيعية المحيطة بالمدن الرئيسية، مثل بنغازي وسهل الجفارة  مما تسبب في اختفاء فصائل نباتية برية نادرة وهامة للتوازن البيئي مثل  الخروب، والبطوم، والقعمول” .و يضاف إلى ذلك، استنزاف خزان المياه الجوفية عبر الحفر العشوائي للآبار، وتفشي ظاهرة الرعي الجائر، وإزالة الغطاء الشجري لغرض تجارة الفحم والحطب اما الكارثة الأكبر فتكرر حرائق المتكررة التى التهمت مساحات واسعة غابت عنها التقديرا كما غاب التعويض بغرس أشجار جديدة .

النزوح المناخي

ولم تعد تداعيات التصحر محصورة في النطاق الجغرافي  وتشقق التربة، بل امتدت لتضرب النسيج الاجتماعي والاقتصادي بصورة مباشرة، حيث يهدد الجفاف انهيار مداخيل الريف التي تعتمد عليها نحو 22% من الكثافة السكانية في ليبيا كمصدر دخل، وفي هذا السياق  وثق تقرير دولي مشترك صادر عن المنظمة الدولية للهجرة وموقع “ReliefWeb” التابع للأمم المتحدة، بروز ظاهرة  النزوح المناخي  في مناطق الغرب والجنوب الليبي، حيث تضطر عائلات بأكملها  خاصة من فئة الشباب  إلى الهجرة الدائمة أو الموسمية صوب المراكز الحضرية الكبرى لشح  المياه وارتفاع درجات الحرارة لمستويات لا تطاق ،  ويمتد الأثر إلى المدن الساحلية التي أصبحت تعاني من تراجع جودة الحياة بفعل عواصف الغبار والأتربة المتواترة التى لاتنفك تضرب المدن وزحف الكثبان الرملية الذي لايعرف حدا .

تحركات رسمية

وعلى الرغم من التجربة  المتميز لليبيا في مجال مكافحة التصحر ، حيث كانت سباقة عام 1961 في ابتكار ما عرف دوليا بـ “الطريقة الليبية  لتثبيت الكثبان الرملية باستخدام المشتقات النفطية  والتي تبنتها دول عدة لاحقا في المنطقة العربية وإيران قبل أن تتوقف محليا،  إلا أن الواقع الحالي يشهد مساع رسمية ومجتمعية جديدة لتدارك الموقف بعد الوصول الى وضع مريع للغاية .

وتقود وزارة الحكم المحلي، بالتعاون مع المنظمات البيئية الوطنية، الحملة الوطنية للتشجير  للموسم الحالي، والتي انطلقت عملياتها من محمية “غوط الرمان” ببلدية تاجوراء مستهدفة غرس آلاف الشتلات في مواقع مختلفة لمكافحة زحف الرمال، وعلى المسار اللوجستي الأكاديمي، تجري الإدارة العامة للإصحاح البيئي مباحثات متقدمة مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي  GIZ  لتأسيس وحدات علمية متخصصة بالتغير المناخي داخل البلديات الليبية، بهدف وضع خطط تكيف محلي وبناء أنظمة إنذار مبكر تفتقر إليها البلاد بشدة.

وبرغم طول الطريق امام هذه المبادرات الذي يجعل التحدي والصبر العنصر الوحيد لنجاحها  في  إنقاذ ما تبقى من المسطحات الخضراء في ليبيا، الا أن المأساة البيئية  تتطلب وفق القراءات الأكاديمية انتقالا فوريا من مرحلة المبادرات التطوعية المؤقتة إلى مرحلة  الاستراتيجية السيادية الشاملة او استراتيجية تفرض بقوة القانون حدا للزحف العمراني، وتستثمر في تقنيات تدوير المياه، لإعادة الحياة إلى تربة أنهكها الجفاف وأهملتها السياسة.

شاهد أيضاً

مجموعة من اللاجئين والمهاجرين يصطفون في ممر خارجي مرتدين كمامات ومعاطف شتوية ويحملون حقائب زرقاء أثناء إجراءات إجلاء أو إغاثة

الأمم المتحدة: 2.4 مليون لاجئ بحاجة إلى إعادة التوطين في 2027

الصباح / تصوير: حمزة الأحمر حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من استمرار الفجوة …